ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك( ١ ) وجعلناهم خلائف( ٢ ) وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين( ٧٣ ) :
وكأن الأمر الذي وقع من الحق سبحانه نتيجة عدائهم للإيمان كان من الممكن أن يشمله ؛ لأنه لا يقال : نجَّيتك من كذا إلا إذا كان الأمر الذي نجيتك منه، توشك أن تقع فيه، وكان هذا بالفعل هو الحال مع الطوفان، فالحق سبحانه يقول : ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر( ٣ )( ١١ ) وفجرنا الأرض عيونا.. ( ١٢ ) [ القمر ] : ومن المتوقع أن تشرب الأرض ماء المطر، لكن الذي حدث أن المطر انهمر من السماء والأرض أيضا تفجرت بالماء ؛ ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يقول : فالتقى الماء على أمر قد قدر( ١٢ ) [ القمر ] : أي : أن ذلك الأمر كان مقدَّرا ؛ حتى لا يقولن أحد : إن هذه المسألة ظاهرة طبيعية.
لا إنه أمر مقدَّر، وقد كانت السفينة موجودة بصناعة من نوح عليه السلام ؛ لأن الحق سبحانه قد أمره بذلك في قوله تعالى في سورة هود : واصنع الفلك بأعيننا ووحينا.. ( ٣٧ ) [ هود ].
ويقول الحق سبحانه في الآية التي بعدها : ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ( ٤ ) من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون( ٣٨ ) [ هود ].
ويركب نوح-عليه السلام- السفينة، ويركب معه من آمن بالله تعالى، وما حملوا معهم من الطير والحيوان من كلّ نوع اثنين ذكرا وأنثى.
وقول الحق سبحانه : فنجيناه ومن معه.. ( ٧٣ ) [ يونس ] : يوحي أن الذي صعد على السفينة هم العقلاء من البشر، فكيف نفهم مسألة صعود الحيوانات والطيور إلى السفينة ؟
نقول : إن الأصل في وجود هذه الحيوانات وتلك الطيور أنها مسخَّرة لخدمة الإنسان، وكان لا بد أن توجد في السفينة ؛ لأنها ككائنات مسخَّرة تسبّح الله( ٥ )، وتعبد الحق سبحانه، فكيف يكون علمها فوق علم العقلاء الذين كفر بعضهم، ثم أليس من الكائنات المسخَّرة ذلك الغراب الذي علَّم " قابيل " كيف يواري سوأة أخيه( ٦ ) ؟ ! إنه طائر، لكنه علم ما لم يعلمه الإنسان !.
والحق سبحانه هو القائل : فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه.. ( ٣١ ) [ المائدة ] ثم يقول الحق سبحانه في الآية التي نحن بصددها الآن : فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين( ٧٣ ) [ يونس ] : وكلمة " الفلك " من الألفاظ التي تطلق على المفرد وتطلق على الجماعة.
وقول الحق سبحانه : فنجيناه نعلم منه أن الفعل من الله تعالى، وهو سبحانه حين يتحدث عن أي فعل له، فالكلام عن الفعل يأتي مثل قوله سبحانه : إنا نحن نزلنا الذكر( ٧ ) وإنا له لحافظون( ٩ ) [ الحجر ].
ولكنه حين يتحدث عن ذاته، فهو يأتي بكلمة تؤكد الوحدانية وتكون بضمير الإفراد مثل : إنني أنا الله.. ( ١٤ ) [ طه ].
وهنا يقول الحق سبحانه :
فنجيناه ومن معه في الفلك.. ( ٧٣ ) [ يونس ] : كلمة " أنجى " للتعددية، وكلمة " نجى " تدل على أن هناك معالجة شديدة للإنجاء، وعلى أن الفعل يتكرر.
وقول الحق سبحانه : وجعلناهم خلائف( ٨ ).. ( ٧٣ ) [ يونس ] : تعني : أن الخليفة هو من يجيء بعد سابق، وكلمة " الخليفة " تأتي مرة للأعلى، مثل الحال هنا حيث جعل الصالح خليفة للصالح، فبعد أن أنجى الله سبحانه العناصر المؤمنة في السفينة، أغرق الباقين.
إذن : فالصالحون على ظهر السفينة أنجبوا الصالحين من بعدهم.
ومرة تأتي كلمة " الخليفة " للأقل، مثل قول الحق سبحانه : فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتَّبعوا الشَّهوات.. ( ٥٩ ) [ مريم ] : فهنا تكون كلمة الخليفة موحية بالمكانة الأقل، وهناك معيار وضعه الحق سبحانه لتقييم الخليفة، هو قول الحق سبحانه : ثمَّ جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون( ١٤ ) [ يونس ].
ولأن الإنسان مخيَّر بين الإيمان والكفر، فسوف يلقى مكانته على ضوء ما يختار.
ويقول الحق سبحانه : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنَّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكّننَّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنَّهم من بعد خوفهم أمنا.. ( ٥٥ ) [ النور ] : إذن : فالخليفة إما أن يكون خليفة لصالح، وإما ان يكون صالحا يخلف فاسدا.
وهنا يقول الحق سبحانه :
وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذَّبوا بآياتنا.. ( ٧٣ ) [ يونس ] :
والآيات-كما قلنا من قبل- إما آيات الاعتبار التي تهدي إلى الإيمان بالقوة الخالقة، وهي آيات الكون كلها، فكل شيء في الكون يدلُّك على أن هذا الكون مخلوق على هيئة ولغاية، بدليل أن الأشياء في هذا الكون تنتظم انتظاما حكيما.
وإذا أردت أن تعرف دقة هذا الخلق، فانظر إلى ما ليدك فيه دخل، وما ليس ليدك فيه دخل ؛ ستجد كل ما ليس ليدك فيه دخل على درجة هائلة من الاستقامة، والحق سبحانه يقول : لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا اللّيل سابق النّهار وكلّ في فلك( ٩ ) يسبحون( ٤٠ ) [ يس ].
أما ما ليدك فيه دخل، فاختيارنا حين يتدخل فهو قد يفسد الأشياء.
وهكذا رأينا أن الآيات الكونية تلفت إلى وجود الخالق سبحانه وهي مناط والاستدلال العقلي على وجود الإله، أو أن الآيات هي الأمور العجيبة التي جاءت على أيدي الرسل-عليهم السلام- لتقنع الناس بأنهم صادقون في البلاغ عن الله سبحانه وتعالى.
ثم هناك آيات القرآن الكريم التي يقول فيها الحق سبحانه : هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أمُّ الكتاب.. ( ٧ ) [ آل عمران ] : وهي الآيات التي تحمل المنهج.
وحين يقول الحق سبحانه : وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا.. ( ٧٣ ) [ يونس ] : فهو يعلّمنا أنه أغرق من كذبوا بالآيات الكونية ولم يلتفتوا إلى بديع صنعه سبحانه، وحكمه تكوين هذه الآيات، وترتيبها ورتابتها( ١٠ )، هو أيضا كذبوا الآيات المعجزات، وكذلك كذبوا بآيات الأحكام التي جاءت بها رسلهم.
وينهي الحق سبحانه وتعالى هذه الآية بقوله : فانظر كيف كان عاقبة المنذرين( ١١ ) ( ٧٣ ) [ يونس ]والخطاب هنا لكل من يتأتى منه النظر، وأولهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو أول مخاطب بالقرآن.
وأنت حين تقول :" انظر " ؛ فأنت تلفت إلى أمر حسي، إن وجهت نظرك نحوه جاء الإشعاع من المنظور إليه، وليرسم أبعاد الشيء ؛ فتراه.
والكلام هنا عن أمور غائبة، فهي أحداث حسية وقعت مرة واحدة ثم صارت خبرا، فإن أخبرك بها مخبر فيكون تصديقك بها على مقدار الثقة فيه.
فمن رأى عصا موسى-عليه السلام-وهي تلقف الحبال التي ألقاها السحرة ؛ آمن بها، مثلما آمن من شاهد النار عاجزة عن إحراق إبراهيم عليه السلام، ومن رأى عيسى عليه السلام وهو يشفي الأكمة والأبرص( ١٢ ) ويحي الموتى بإذن الله تعالى، فقد آمن بها رأى، أما من لم ير تلك المعجزات فإيمانه يتوقف على قدر توثيقه لمن أخبر، فإن كان المخبر بذلك هو الله سبحانه وفي القرآن الكريم فإيماننا بتلك المعجزات هو أمر حتمي ؛ لأننا آمنا بصدق المبلغ عن الله تعالى.
ونحن نفهم أن الرسالات السابقة على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، كانت رسالات موقوتة زمانا ومكانا، لكن الإسلام جاء لينتظم الناس الموجه إليهم منذ أن أرسل الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى أن تقوم الساعة.
لذلك جاء القرآن آيات باقيات إلى أن تقوم الساعة، وهذا هو السبب في أن القرآن قد جاء معجزة عقلية دائمة يستطيع كل من يدعو إلى منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول : محمد رسول من عند الله تعالى، وتلك هي معجزته.
وساعة يقول الحق سبحانه : فانظر فمثلها مثل قول الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم : ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل( ١٣ )( ١ ) [ الفيل ].
وحادثة الفيل قد حدثت في العام الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبطبيعة الحال فسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ير حادثة الفيل، ولكن الذين رأوها هم الذين كانوا يعيشون وقتها، وهذا ما يلفتنا إلى فارق الأداء، فعيونك قد ترى أمرا، وأذنك قد تسمع خبرا، ولكن من الجائز أن تخدعك حواسك، أما الخبر القادم من الله تعالى، وإن كان غائبا عنك الآن وغير مسموع لك فخذه على أنه أقوى من رؤية العين.
ولقائل أن يقول : لماذا لم يقل الحق :" ألم تعلم " وجاء بالقول : ألم تر.. ( ١ ) [ الفيل ] :
وأقول : ليدلنا الله سبحانه على أن العلم المأخوذ من الله تعالى عن أمر غيبي عليك أن تتلقاه بالقبول أكثر من تلقيك لرأى العين.
إذن : فانظر تعني : اعلم الأمر وكأنه مجسم أمامك ؛ لأنك مؤمن بالله تعالى وكأنك تراه، ومبلغك عن الله سبحانه هو رسول تؤمن برسالته، وكل خبر قادم من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يتسرب إليه الشك، ولكن الشك لا يمكن أن يتسرب إلى المخبر الصادق أبدا.
ولقائل أن يقول : ولماذا لم يقل الحق :" فانظر كيف كان عاقبة الكافرين " بدلا من قول الحق سبحانه : فانظر كيف كان عاقبة المنذرين( ٧٣ ) ؟ [ يونس ]، وهنا نقول :
إن الحق سبحانه وتعالى قد بين أنه لن يعذب قبل أن ينذر( ١٤ )، فهو قد أنذر أولا، ولم يأخذ القوم على جهلهم.
" فانظر " -كما نعلم- هي خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يشمل أمته أيضا، وجاء هذا الخبر تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن صادف من قومك يا محمد ما صادف قوم نوح-عليه السلام-فاعلم أن عاقبتهم ستكون كعاقبة قوم نوح.
وفي هذا تحذير وتخويف للمناوئين لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
٢ خلفه يخلفه من باب نصر: جاء بعده فصار مكانه-خلفا وخلافه وخلفه خلفا: صار خلفه قال تعالى:قال بئسما خلفتموني من بعدي..(١٥٠)[الأعراف] والخلف: القرن من الناس بعد القرن، أي الجيل بعد الجيل، والخلف الولد الصالح أو غير الصالح. قال تعالى:فخلف من بعدهم خلف..(١٦٩)[الأعراف] والخلف بالفتح: البعض والبدل والولد الصالح أو الولد غير الصالح. والخليفة من يخلف غيره، أو ينوب عنه، قال تعالى:إني جاعل في الأرض خليفة..(٣٠)[البقرة]، وخليفة جمعها خلفاء وخلائف يقول تعالى:واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح..(٦٩)[ الأعراف] وقال:وهو الذي جعلكم خلائف الأرض..(١٦٥)[الأنعام].[القاموس القويم-بتصرف]..
٣ ماء منهمر: مطر غزير..
٤ ملأ: جماعة..
٥ يقول الحق سبحانه وتعالى:وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا(٤٤)[الإسراء]..
٦ يواري سوأة أخيه: يخفي جسد أخيه "هابيل" الذي قتله أخوه بغير حق. أي: يدفنه..
٧ الذكر: القرآن الكريم. قال تعالى:وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون(٤٤)[النحل]..
٨ خلائف: جمع خليفة وهو الذي يخلف من سبقه. وتجمع أيضا على "خلفاء". قال تعالىواذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح..(٦٩)[الأعراف]..
٩ الفلك: المدار يسبح فيه الجرم السماوي. والجمع: أفلاك.[المعجم الوسيط: مادة(ف ل ك)]..
١٠ رتابتها: أي: سيرها على نظام واحد لا يتخلف، يقول الحق سبحانه:لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون(٤٠)[يس]..
١١ عاقبة: عقاب وجزاء ونهاية. المنذرين: اسم مفعول يشير إلى من وقع عليهم الإنذار، وهو قوم نوح الذين انذرهم نبيهم، فلم يؤمنوا؛ فاستحقوا العقاب والعذاب..
١٢ الكمه: العمى الذي يولد به الإنسان. أما البرص فهو: مرض جلدي عبارة عن بقع بيضاء تكون في الجسد. انظر اللسان..
١٣ أصحاب الفيل، هم جيش "أبرهة" الحبشي حين قدموا لهدم الكعبة، فمزقهم الله شر ممزق وأرسل عليهم طيورا من السماء وترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم الله كعصف مأكول. ووافق ذلك قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بخمس وخمسين ليلة، فهو لم ير الحادث بعينيه، ولكن إخبار الله له أمر لا يحتمل إلا الصدق، فكأنه قد رآه بعينيه فعلا..
١٤ يقول الحق سبحانه:وإن من امة إلا خلا فيها نذير(٢٤)[فاطر] ويقول:وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا(١٥)[الإسراء] النذير والإنذار نذر، قال تعالى:ما جاءنا من بشير ولا نذير..(١٩)[المائدة]
والنذير هنا: هو الرسول المنذر بالعذاب. والنذر اسم مصدر بمعنى الإنذار كقوله تعالى:فالملقيات ذكرا(٥)عذرا أو نذرا(٦)[المرسلات] وقوله:.. وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون(١٠١)[يونس] يحتمل أنها الإنذارات. أو المنذرون من الرسل جمع نذير، قوله:قد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه..(٢١)[الأحقاف]، والمراد بالنذر هم الرسل المنذرين..
تفسير الشعراوي
الشعراوي