قصة نوح عليه السّلام مع قومه
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٧١ الى ٧٣]
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)
الإعراب:
إِذْ قالَ بدل مما قبله.
وَشُرَكاءَكُمْ منصوب لوجهين: أحدهما- لأنه مفعول معه، أي، فأجمعوا أمركم مع شركائكم. والثاني- بتقدير فعل، أي فأجمعوا أمركم واجمعوا شركاءكم. وقيل: التقدير: وادعوا شركاءكم. والنصب على تقدير الفعل مثل قول الشاعر:
| إذا ما الغانيات برزن يوما | وزجّجن الحواجب والعيونا |
وقرئ: وشركاؤكم بالرفع عطفا على ضمير فَأَجْمِعُوا المرفوع، لوجود الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، وهو أَمْرَكُمْ لأن الفصل يتنزل منزلة التوكيد، كقوله تعالى:
مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ [يونس ١٠/ ٢٨].
ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً اسم يكن وخبرها.
البلاغة:
فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ تقديم متعلّق تَوَكَّلْتُ لإفادة الحصر، أي توكلت على الله لا على غيره. صفحة رقم 225
لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً استعارة، عبر عن الالتباس والستر بالغمة، أي لا يكن أمركم مبهما، فيكون كالغمة.
المفردات اللغوية:
وَاتْلُ يا محمد عَلَيْهِمْ أي على كفار مكة نَبَأَ نُوحٍ خبره مع قومه كَبُرَ عَلَيْكُمْ عظم وشق عليكم مَقامِي قيامي أو إقامتي ومكثي فيكم. وَتَذْكِيرِي وعظي إياكم بآيات الله تَوَكَّلْتُ وثقت به فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ فاعزموا عليه عزما لا تردد فيه أي اعزموا على أمر تفعلونه بي وَشُرَكاءَكُمْ أي مع شركائكم ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ في قصدي عَلَيْكُمْ غُمَّةً مستورا خفيا، بل أظهروه وجاهروني به، والغمة: الستر واللبس ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ أدّوا إلى ذلك الأمر الذي تريدون بي، ونفذوه بي وَلا تُنْظِرُونِ تمهلوني ولا تؤخروني، فإني لست مباليا بكم.
فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أعرضتم عن تذكيري فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ أي فما طلبت منكم ثوابا عليه يوجب تولّيكم لثقله عليكم واتهامكم إياي لأجله إِنْ أَجْرِيَ أي ما ثوابي على الدعوة والتذكير إِلَّا عَلَى اللَّهِ أي فهو يثيبني به، سواء آمنتم أو توليتم مِنَ الْمُسْلِمِينَ المنقادين لحكمه، لا أخالف أمره، ولا أرجو غيره.
فَكَذَّبُوهُ فأصروا على تكذيبه بعد ما ألزمهم الحجة، وبيّن أن توليهم ليس إلا لعنادهم وتمردهم، فحقت عليهم كلمة العذاب فَنَجَّيْناهُ من الغرق وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ السفينة، وكانوا ثمانين.
وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ أي وجعلنا من معه يخلفون غيرهم في عمارة الأرض وسكناها، وهي جمع خليفة وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا بالطوفان فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ من إهلاكهم، فكذلك نفعل بمن كذّب. وهذا تعظيم لما جرى عليهم وتحذير لمن كذّب الرسول صلى الله عليه وسلّم وتسلية له.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى الأدلة الدالة على الوحدانية والرسالة والبعث والجزاء يوم القيامة، وفنّد شبهات المشركين وكشف عنادهم لرسوله صلى الله عليه وسلّم وتكذيبهم له، ذكر هنا بعض قصص الأنبياء، تسلية للرسول صلى الله عليه وسلّم ليتأسى بهم، فيهون عليه ما يتعرض له من الشدائد والمكائد، وتذكيرا للمشركين بمن سبقهم في مثل فعلهم، وكيف كانت عاقبة المكذبين للرسل عليهم السلام.
وذكر تعالى هنا ثلاث قصص: قصة نوح مع قومه، وقصة موسى وهارون مع فرعون، وقصة يونس مع قومه، وفي كل قصة عبرة وعظة. ولقد ذكرت أضواء من التاريخ على القصتين الأوليين، وسأذكر ما يناسب قصة يونس عليه السلام.
التفسير والبيان:
وأخبر أيها الرسول واقصص على كفار مكة الذين يخالفونك ويكذبونك خبر نوح مع قومه الذين كذبوه، كيف أهلكهم الله، ودمر هم بالغرق أجمعين عن آخرهم، ليحذر هؤلاء أن يصيبهم من الهلاك والدمار ما أصاب أولئك.
اذكر لهم حين قال نوح لقومه: يا قوم إن كان قد شق عليكم وعظم قيامي معكم للدعوة إلى عبادة ربكم، وتذكيري ووعظي إياكم بآيات الله أي بحججه وبراهينه الدالة على وحدانيته وعبادته، فإني توكلت على الله وحده ووثقت به، فلا أبالي ولا أكف عن دعوتي ورسالتي، سواء عظم عليكم أو لا.
فأجمعوا أمركم، أي اعزموا على ما تريدون من أمر تفعلونه بي، أنتم وشركاؤكم الذين تعبدونهم من دون الله من صنم ووثن.
ولا تجعلوا أمركم الذي تعتزمونه خفيا ملتبسا عليكم، بل أظهروه لي، وتبصروا فيه، وافصلوا حالكم معي.
فإن كنتم تزعمون أنكم محقون فاقضوا إلى ذلك الأمر ونفّذوه بالفعل، ولا تؤخروني ساعة واحدة عن تنفيذ هذا القضاء، فمهما قدرتم فافعلوا، فإني لا أبالي بكم ولا أخاف منكم لأنكم لستم على شيء. وهذا الموقف الواثق بالله وبنصره لنوح أبي البشر الثاني مشابه لموقف هود عليه السّلام إذ قال لقومه:
إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ، وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً، ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ. إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ الآية [هود ١١/ ٥٤- ٥٦].
وهكذا يتبين الفرق الجلي بين موقف المؤمن الراسخ الإيمان الذي لا يعرف التردد، المعتصم بالله وبوعده وثقته به، وبين موقف الكافر الضعيف المتردد الذي لا ملاذ له، إلا بالقوة الوهمية الخاثرة بل المنعدمة للشركاء والآلهة المزعومة.
فإن توليتم أي أعرضتم عن تذكيري وكذبتم ولم تؤمنوا برسالتي ولم تطيعوني فيما أدعوكم إليه من الدين الحق، فإني لم أطلب منكم على نصحي إياكم شيئا: أجرا أو جزاء، إن ثواب عملي وجزائي على الله ربي الذي أرسلني إليكم، وأمرني أن أكون من المسلمين، أي المنقادين الممتثلين لما أمرت به من الاستسلام لكل ما يصل إلى من أجل هذه الدعوة، والإسلام والخضوع لله عز وجل، والإسلام هو دين الأنبياء جميعا من أولهم إلى آخرهم «١»، وإن تنوعت شرائعهم التفصيلية كما قال تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [المائدة ٥/ ٤٨] فأصولهم واحدة، ومصدرهم واحد،
قال النبي صلى الله عليه وسلّم فيما رواه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد:
[النمل ٢٧/ ٤٤]. وقال تعالى واصفا رسالة الأنبياء: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا [المائدة ٥/ ٤٤] وقال تعالى عن الحوار بين:
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي، قالُوا: آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ [المائدة ٥/ ١١١] وقال الرسول وسيد البشر صلى الله عليه وسلّم امتثالا لقول الله: إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام ٦/ ١٦٣] أي من هذه الأمة.
«الأنبياء أولاد علّات»
أي أننا أولاد من أمهات شتى والأب واحد، وديننا وإيماننا واحد: وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن تنوعت شرائعنا.
فكذبوه، أي فأصروا على تكذيبه، فنجيناه هو ومن آمن معه في الفلك أي السفينة التي صنعها بأمرنا.
وجعلناهم خلائف، أي وجعلنا الناجين مع نوح في السفينة خلائف أولئك الهالكين، في عمارة الأرض وسكناها من بعدهم، وأغرقنا بالطوفان الذين كذبوا نوحا، فانظر أيها الرسول كيف أنجينا المؤمنين، وأهلكنا المكذبين المنذرين، الذين أنذرهم رسولهم بالعذاب قبل وقوعه، فلم يرتدعوا، وأصروا على تكذيبه، وهذه عاقبة كل المصرّين على تكذيب الأنبياء، وعاقبة المؤمنين.
فقه الحياة أو الأحكام:
١- العبرة من قصة نوح: ذكر الله تعالى في هذه السورة قصة نوح عليه السلام لفائدتين: الأولى- أن تصير تلك القصة عبرة لهؤلاء الكفار، وهجر الجحود بالتوحيد والإيمان بالنبوة لأن الله عجل هلاك قوم نوح بالغرق لما أصروا على الكفر والجحود.
والثانية- أن الإنذار بالعذاب لا بد أن يتحقق، فقد كان كفار مكة يستعجلون العذاب الذي يذكره الرسول صلى الله عليه وسلّم لهم، ويقولون له: كذبت، فإنه ما جاءنا هذا العذاب، فذكر الله تعالى قصة نوح ليبين لهم أن ما أنذر به نوح قومه وقع في نهاية الأمر، كما أخبر، فكذلك يقع كل عذاب أنذركم به.
٢- النظر في الموقف والمقارنة بينها: موقف نوح وموقف قومه، فموقف نوح عليه السّلام كان موقف المؤمن الجريء الجسور الذي لا يخشى الصعاب، ولا يعرف التردد، ولا يهاب الموت في سبيل دعوته، ويتحدى الجمع الغفير فيما
يريدون أن يعملوه معه. وموقف قومه كان موقف الهيّاب الضعيف المتخاذل المتردد الذي لم يستطع اتخاذ قرار حاسم في شأن نوح، الذي كانت هيبة الإيمان تحميه وتعصمه من مكائدهم وشرورهم.
٣- كلمات نوح مع أولئك الكفار: كانت كلمات نوح مكونة من جملة شرط وجزاء. أما الشرط ففيه أمران: الأول- إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي أي ثقل وشق بسبب مكثه فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، وبسبب ما ألفه الكفار من مذاهب فاسدة وعقائد ومناهج باطلة، والغالب أن من ألف طريقة في الدين يثقل عليه تغييرها.
والأمر الثاني- تَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ لأن من شغف بلذات الدنيا كان شديد النفرة من الأمر بالطاعات والنهي عن المعاصي والمنكرات.
وأما الجزاء على الشرط ففيه أمور خمسة:
الأول- فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ أي إن شدة بغضكم لي التي تحملكم على إيذائي تجعلني لا أقابل ذلك الشر إلا بالتوكل على الله، وهذا منه توكل على الله في دفع شر هذه الساعة، إن كان متوكلا أبدا على الله تعالى.
الثاني- فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ أي اعزموا على الأمر الذي تريدون إيقاعه بي، وابذلوا جهودكم في الكيد لي والمكر بي، مع شركائكم الأوثان التي تسمونها آلهة، وفي هذا تحد شديد لمخططاتهم ومكائدهم.
الثالث- ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً أي ليكن أمركم ظاهرا منكشفا تتمكنون فيه مما شئتم، وفي هذا استعداد لمواجهة قراراتهم بصراحة وجرأة، وصرامة وصبر.
الرابع- ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ أي امضوا إلى بمكروهكم وما توعدونني به، وهذا
دليل الإباء وعدم المبالاة بما ينفذون من قرار.
الخامس- وَلا تُنْظِرُونِ أي لا تمهلون بعد إعلامكم إياي ما اتفقتم عليه، وهذا غاية الشجاعة والبأس، فإنه لا يحتاج إلى إنذار وإمهال. وهو أيضا من دلائل النبوات، فإنه أعلمهم أنهم لا يصلون إليه بسوء لأن الله عاصم أنبياءه.
٤- النبي في دعوته لا يطلب أجرا من أحد على نصحه: فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ قال المفسرون: هذا إشارة إلى أنه ما أخذ منهم مالا على دعوتهم إلى دين الله تعالى. ومتى كان الإنسان خاليا من الطمع كان قوله أقوى تأثيرا في القلب. وهكذا كانت سيرة جميع الأنبياء.
٥- الثبات على المبدأ: إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ، وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فيه قولان:
الأول- أنكم سواء قبلتم دين الإسلام أو لم تقبلوا، فأنا مأمور بأن أكون على دين الإسلام.
والثاني- أني مأمور بالاستسلام لكل ما يصل إلى لأجل هذه الدعوة. قال الرازي: وهذا الوجه أليق بهذا الموضع، لانسجامه مع قوله السابق: ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ.
٦- عاقبة القصة بين نوح وقومه: ترتب على هذا النقاش الحاد بين نوح وقومه الكفار نتائج حاسمة ومهمة جدا.
أما بالنسبة لنوح وأصحابه فأمران: أنه تعالى نجاهم من الكفار، وأنه جعلهم خلائف بمعنى أنهم يخلفون من هلك بالغرق.
وأما بالنسبة للكفار: فهو أنه تعالى أغرقهم بالطوفان وأهلكهم. وهذه القصة زحر للمخالفين من حيث يخافون آن ينزل بهم مثل ما نزل بقوم نوح،
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي