ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم ( ٩ ) :
هنا يتحدث الحق سبحانه عن المقابل، وهم الذين آمنوا، ويعلمنا أنه سبحانه : يهديهم ربهم بإيمانهم .
و الهداية –كما قلنا من قبل- معناها الدلالة على الخير، بالمنهج الذي أرسله الحق سبحانه لنا، و به بين الحق السبل أمام المؤمن والكافر، أما الذي يقبل على الله بإيمان فيعطيه الحق سبحانه وتعالى هداية و أخرى ؛ بأن يخفف أعباء الطاعة على نفسه، ويزيده سبحانه هدى بالمعروف ؛ لذلك قال سبحانه : واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين(١) ( ٤٥ ) ( البقرة ).
وهكذا يتلقى المؤمن مشتقات الطاعة بحب ؛ فيهوّنها الحق سبحانه عليه ويجعله يدرك لذة هذه الطاعة ؛ لتهون عليه شقتها، ويمده سبحانه أيضا بالمعونة.
يقول الحق سبحانه : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم(٢) : وما دام قد آمنوا ؛ فسبحانه ينزل لهم الحكام التي تفيدهم في حياتهم وتنفعهم في آخرتهم، أو أن الهداية لا تكون في الدنيا بل في الآخرة، فما داموا قد آمنوا، فهم قد أخذوا المنهج من الله سبحانه وتعالى وعملوا الأعمال الصالحة، ويهديهم الحق سبحانه إلى طريق الجنة.
ولذلك يقول الحق سبحانه : يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم... ( ١٢ ) ( الحديد )، ويقول سبحانه : والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا... ( ٨ ) ( التحريم ) : أي : أن نورهم يضيء أمامهم. أما المنافقون فيقولون للذين آمنوا : انظرونا نقتبس(٣) من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا(٤) نورا... ( ١٣ ) ( الحديد ) : أي : أن هذا ليس وقت التماس النور، فالوقت-لالتماس النور- كان في الدنيا ؛ باتباع المنهج والقيام بالصالح مكن الأعمال.
إذن : فالحق سبحانه يهدي للمؤمنين نورا فوق نورهم في الآخرة.
والآية تحتمل الهداية في الدنيا، وتحتمل الهداية في الآخرة.
ويصف الحق سبحانه حال المؤمنين في الآخرة فيقول : تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم( ٩ ) ( يونس ).
وقلنا : إن الجنة على حوافّ الأنهار ؛ لأن الخضرة أصلها من الماء. وكلما رأيت مجرى للماء لا بد أن تجد خضرة، والجنات ليست هي البيوت، بدليل قول الحق سبحانه :
ومساكن طيبة في جنات عدن(٥).... ( ( ٧٢ ) ( التوبة )، ونجد الحق سبحانه يقول مرة :
تجري تحتها الأنهار... ( ١٠٠ ) ( التوبة )، ويقول سبحانه في مواضع أخرى(٦) : تجري من تحتها الأنهار... ( ٢٥ ) ( البقرة ).
والحق سبحانه يعطينا صورة متعددة عن الماء الذي لا ينقطع، فهي مياه ذاتية الوجود في الجنة لا تنقطع أبدا.
٢ الباء في بإيمانهم تحتمل وجهين:
أن تكون سببية، أي: بسبب إيمانهم في الدنيا يهديهم الله يوم القيامة على الصراط المستقيم حتى يجوزه ويخلصوه إلى الجنة.
أن تكون للاستعانة، أي: أن يصبح إيمانهم نورا يمشون به على الصراط. انظر تفسير القرطبي (٤/٣٢٣٨) وابن كثير (٢/٤٠٨)..
٣ نقتبس: نأخذ. قال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام:لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى (١٠) (طه) وقال:سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون (٧) (النمل) والقبس: النار واقتباسها: الأخذ منها. والاقتباس من نور أهل الجنة دليل على شدة هذا النور وقوته (اللسان: مادة (قبس)... بتصرف).
٤ التمسوا: اطلبوا. والتمس الشيء وتلمسه": طلبه (اللسان: مادة (لمس).
٥ عدن فلان بالمكان يعدن عدنا وعدنا: أقام. ومركز كل شيء معدنه، وجنات عدن: أي: جنات إقامة دائمة بمكان الخلد. قال تعالى:جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها (٧٦) (طه).
٦ ورد قوله تعالى:تجري من تحتها ألأنهار ٣٥ مرة في القرآن، وقد وردت مرة واحدة تجري تحتها الأنهار..
تفسير الشعراوي
الشعراوي