ﭞﭟﭠﭡﭢ

إِلَى اللَّهِ وَالِدًا.
وَفِيهِ الْإِيمَاءُ إِلَى أَنَّ مَنْ يَكُونُ مَوْلُودًا مِثْلَ عِيسَى لَا يَكُونُ إِلَهًا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْإِلَهُ مَوْلُودًا لَكَانَ وُجُودُهُ مَسْبُوقًا بِعَدَمٍ لَا مَحَالَةَ، وَذَلِكَ مُحَالٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَسْبُوقًا بِعَدَمٍ لَكَانَ مُفْتَقِرًا إِلَى مَنْ يُخَصِّصُهُ بِالْوُجُودِ بَعْدَ الْعَدَمِ، فَحَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِ جُمْلَةِ: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ
إِبْطَالُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَالِدًا لِمَوْلُودٍ، أَوْ مَوْلُودًا مِنْ وَالِدٍ بِالصَّرَاحَةِ. وَبَطَلَتْ إِلَهِيَّةُ كُلِّ مَوْلُودٍ بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ فَبَطَلَتِ الْعَقَائِدُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَى تَوَلُّدِ الْإِلَهِ مِثْلَ عَقِيدَةِ (زَرَادِشْتَ) الثَّانَوِيَّةِ الْقَائِلَةِ بِوُجُودِ إِلَهَيْنِ: إِلَهِ الْخَيْرِ وَهُوَ الْأَصْلُ، وَإِلَهِ الشَّرِّ وَهُوَ مُتَوَلَّدٌ عَنْ إِلَهِ الْخَيْرِ، لِأَنَّ إِلَهَ الْخَيْرِ وَهُوَ الْمُسَمَّى عِنْدَهُمْ (يَزْدَانَ) فَكَّرَ فِكْرَةَ سُوءٍ فَتَوَلَّدَ مِنْهُ إِلَهُ الشَّرِّ الْمُسَمَّى عِنْدَهُمْ (أَهْرُمُنْ)، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى مَذْهَبِهِمْ أَبُو الْعَلَاءِ بِقَوْلِهِ:

قَالَ أُنَاسٌ بَاطِلٌ زَعْمُهُمْ فَرَاقِبُوا اللَّهَ وَلَا تَزْعُمُنْ
فَكَّرَ (يَزْدَانُ) عَلَى غِرَّةٍ فَصِيغَ مِنْ تَفْكِيرِهِ (أَهْرُمُنْ)
وَبَطَلَتْ عَقِيدَةُ النَّصَارَى بِإِلَهِيَّةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِتَوَهُّمِهِمْ أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وَأَنَّ ابْن الْإِلَه لَا يَكُونُ إِلَّا إِلَهًا بِأَنَّ الْإِلَهَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ فَلَيْسَ عِيسَى بِابْن لله، وَبِأَنَّ الْإِلَهَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مَوْلُودًا بَعْدَ عَدَمٍ. فَالْمَوْلُودُ الْمُتَّفَقُ عَلَى أَنَّهُ مَوْلُودٌ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ عِيسَى إِلَهًا.
فَلَمَّا أَبْطَلَتِ الْجُمْلَةُ الْأُولَى إِلَهِيَّةَ إِلَهٍ غَيْرِ اللَّهِ بِالْأَصَالَةِ، وَأَبْطَلَتِ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ إِلَهِيَّةَ غَيْرِ اللَّهِ بِالِاسْتِحْقَاقِ، أَبْطَلَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ إِلَهِيَّةَ غَيْرِ اللَّهِ بِالْفَرْعِيَّةِ وَالتَّوَلُّدِ بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ.
وَإِنَّمَا نَفْيُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَالِدًا وَأَنْ يَكُونَ مَوْلُودًا فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي، لِأَنَّ عَقِيدَةَ التَّوَلُّدِ ادَّعَتْ وُقُوعَ ذَلِكَ فِي زَمَنٍ مَضَى، وَلَمْ يَدَّعِ أَحَدٌ أَنَّ اللَّهَ سَيَتَّخِذُ وَلَدًا فِي الْمُسْتَقْبل.
[٤]
[سُورَة الْإِخْلَاص (١١٢) : آيَة ٤]
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤)
فِي معنى التذييل لِلْجُمَلِ الَّتِي قَبْلَهَا لِأَنَّهَا أَعَمُّ مِنْ مَضْمُونِهَا لِأَنَّ تِلْكَ الصِّفَاتِ الْمُتَقَدِّمَةَ صَرِيحَهَا وَكِنَايَتَهَا وَضِمْنِيَّهَا لَا يُشْبِهُهُ فِيهَا غَيْرُهُ، مَعَ إِفَادَةِ هَذِهِ انْتِفَاءَِِ

صفحة رقم 619

شَبِيهٍ لَهُ فِيمَا عَدَاهَا مِثْلَ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الْحَج: ٧٣].
وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً اعْتِرَاضِيَّةٌ، وَهِيَ وَاوُ الْحَالِ، كَالْوَاوِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ [سبأ: ١٧] فَإِنَّهَا تذييل لِجُمْلَةِ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا [سبأ: ١٧]، وَيَجُوزُ كَوْنُ الْوَاوِ عَاطِفَةً إِنْ جُعِلَتِ الْوَاوُ الْأُولَى عَاطِفَةً فَيَكُونَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْجُمْلَةِ إِثْبَاتَ وَصْفِ مُخَالَفَتِهِ تَعَالَى لِلْحَوَادِثِ وَتَكُونَ استفادة معنى التذييل تَبَعًا لِلْمَعْنَى، وَالنُّكَتِ لَا تَتَزَاحَمُ.
وَالْكُفُؤُ: بِضَمِّ الْكَافِ وَضَمِّ الْفَاءِ وَهَمْزَةٍ فِي آخِرِهِ. وَبِهِ قَرَأَ نَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ، إِلَّا أَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأَوَّلِينَ حَقَّقُوا الْهَمْزَةَ وَأَبُو جَعْفَرٍ سَهَّلَهَا وَيُقَالُ:
«كُفْءٌ» بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَبِالْهَمْزِ، وَبِهِ قَرَأَ حَمْزَةُ وَيَعْقُوب، وَيُقَال: كُفُواً بِالْوَاوِ عِوَضَ الْهَمْزِ، وَبِهِ قَرَأَ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَهِيَ لُغَاتٌ ثَلَاثٌ فَصِيحَةٌ.
وَمَعْنَاهُ: الْمسَاوِي والممائل فِي الصِّفَاتِ.
وأَحَدٌ هُنَا بِمَعْنَى إِنْسَانٍ أَوْ مَوْجُودٍ، وَهُوَ مِنَ الْأَسْمَاءِ النَّكِرَاتِ الْمُلَازِمَةِ لِلْوُقُوعِ فِي حَيِّزِ النَّفْيِ.
وَحَصَلَ بِهَذَا جِنَاسٌ تَامٌّ مَعَ قَوْلِهِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَتَقْدِيمُ خَبَرِ (كَانَ) عَلَى اسْمِهَا لِلرِّعَايَةِ عَلَى الْفَاصِلَةِ وَلِلِاهْتِمَامِ بِذِكْرِ الْكُفُؤِ عَقِبَ الْفِعْلِ الْمَنْفِيِّ لِيَكُونَ أَسْبَقَ إِلَى السَّمْعِ.
وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ بِقَوْلِهِ: لَهُ عَلَى متعلّقه وَهُوَ كُفُواً لِلِاهْتِمَامِ بِاسْتِحْقَاقِ اللَّهِ نَفْيَ كَفَاءَةِ أَحَدٍ لَهُ، فَكَانَ هَذَا الِاهْتِمَامُ مُرَجِّحًا تَقْدِيمَ الْمَجْرُورِ عَلَى مُتَعَلِّقِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ تَأْخِيرَ الْمُتَعَلِّقِ إِذَا كَانَ ظرفا لَغوا. وَتَأْخِيرُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ أَحْسَنُ مَا لَمْ يَقْتَضِ التَّقْدِيمَ مُقْتَضٍ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي «الْكَشَّافِ».
وَقَدْ وَرَدَتْ فِي فَضْلِ هَذِهِ السُّورَةِ أَخْبَارٌ صَحِيحَةٌ وَحَسَنَةٌ اسْتَوْفَاهَا الْمُفَسِّرُونَ. وَثَبَتَ
فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي «الْمُوَطَّأ» و «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ طُرُقٍ عِدَّةٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ»

صفحة رقم 620

وَاخْتَلَفَتِ التَّأْوِيلَاتُ الَّتِي تَأَوَّلَ بِهَا أَصْحَابُ مَعَاني الْآثَار لهَذَا الحَدِيث ويجمعها أَرْبَعَة تَأْوِيلَاتٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي ثَوَابِ الْقِرَاءَةِ، أَيْ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآن إِذا قرىء بِدُونِهَا حَتَّى لَوْ كَرَّرَهَا الْقَارِئُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كَانَ لَهُ ثَوَابُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ.
الثَّانِي: أَنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ إِذَا قَرَأَهَا مَنْ لَا يُحْسِنُ غَيرهَا من سُورَة الْقُرْآنِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ مَعَانِي الْقُرْآنِ بِاعْتِبَارِ أَجْنَاسِ الْمَعَانِي لِأَنَّ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ أَحْكَامٌ وَأَخْبَارٌ وَتَوْحِيدٌ، وَقَدِ انْفَرَدَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِجَمْعِهَا أُصُولَ الْعَقِيدَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ مَا لَمْ يَجْمَعْهُ غَيْرُهَا.
وَأَقُولُ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ آيَاتٍ مِثْلِهَا مِثْلَ آيَةِ الْكُرْسِيِّ، أَوْ لِأَنَّهُ لَا تُوجَدُ سُورَةٌ
وَاحِدَةٌ جَامِعَةٌ لِمَا فِي سُورَةِ الْإِخْلَاصِ.
التَّأْوِيلُ الرَّابِعُ: أَنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي الثَّوَابِ مِثْلَ التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ وَلَكِنْ لَا يَكُونُ تَكْرِيرُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِمَنْزِلَةِ قِرَاءَةِ خَتْمَةٍ كَامِلَةٍ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي «الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ» (١) : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ قَرَأَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَا يُسَاوِي فِي الْأَجْرِ مَنْ أَحْيَا بِالْقُرْآنِ كُلِّهِ اهـ. فَيَكُونُ هَذَا التَّأْوِيلُ قَيْدًا لِلتَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ، وَلَكِنَّ فِي حِكَايَتِهِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ المُرَاد نظر، فَإِنَّ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ تَكْرِيرَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَعْدِلُ قِرَاءَةَ خَتْمَةٍ كَامِلَةٍ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَاخْتِلَافُهُمْ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ لَا يَرْتَفِعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ عَنِ الْحَدِيثِ الْإِشْكَالِ وَلَا يَتَخَلَّصُ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ اعْتِرَاضٌ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ السُّكُوتُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَفْضَلُ مِنَ الْكَلَامِ فِيهَا.
_________
(١) فِي سَماع ابْن الْقَاسِم عَن مَالك من كتاب الصَّلَاة الثَّانِي.

صفحة رقم 621

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

١١٣- سُورَةُ الْفَلَقِ
سَمَّى النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ السُّورَةَ: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: اتَّبَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ رَاكِبٌ فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى قَدَمِهِ فَقُلْتُ: أَقْرِئْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ سُورَةَ هُودٍ وَسُورَةَ يُوسُفَ، فَقَالَ: لَنْ تَقْرَأَ شَيْئًا أَبْلَغَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ».
وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ أَرَادَ سُورَةَ: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ لِأَنَّهُ كَانَ جَوَابا عَن قَوْلِ عُقْبَةَ: أَقْرِئْنِي سُورَةَ هُودٍ إِلَخْ، وَلِأَنَّهُ عَطَفَ عَلَى قَوْلِهِ: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الْفَلَقِ: ١] قَوْلَهُ: وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [النَّاسِ: ١] وَلَمْ يُتِمَّ سُورَةَ: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ عَنْوَنَهَا الْبُخَارِيُّ فِي «صَحِيحِهِ» : سُورَةَ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ» بِإِضَافَةِ سُورَةِ إِلَى أَوَّلِ جُمْلَةٍ مِنْهَا.
وَجَاءَ فِي كَلَام بَعْضِ الصَّحَابَةِ تَسْمِيَتُهَا مَعَ سُورَةِ النَّاسِ «الْمُعَوِّذَتَيْنِ».
رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَقْرَأَ بِالْمُعَوِّذَاتِ
(بِكَسْرِ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ وَبِصِيغَةِ الْجَمْعِ بِتَأْوِيلِ الْآيَاتِ الْمُعَوِّذَاتِ، أَيْ آيَاتِ السُّورَتَيْنِ)
وَفِي رِوَايَةٍ: «بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ»

. وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْوَاحِدَةَ مِنْهُمَا تُسَمَّى الْمُعَوِّذَةَ بِالْإِفْرَادِ، وَقَدْ سَمَّاهَا ابْنُ عَطِيَّةَ سُورَةَ الْمُعَوِّذَةِ الْأُولَى، فَإِضَافَةُ «سُورَةٍ» إِلَى «الْمُعَوِّذَةِ» مِنْ إِضَافَةِ الْمُسَمَّى إِلَى الِاسْمِ، وَوَصْفُ السُّورَةِ بِذَلِكَ مَجَازٌ يَجْعَلُهَا كَالَّذِي يَدُلُّ الْخَائِفَ عَلَى الْمَكَانِ الَّذِي يَعْصِمُهُ مِنْ مُخِيفِهِ أَوْ كَالَّذِي يُدْخِلُهُ الْمَعَاذَ.
وَسُمِّيَتْ فِي أَكْثَرِ الْمَصَاحِفِ وَمُعْظَمِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ «سُورَةَ الْفَلَقِ».
وَفِي «الْإِتْقَانِ» : أَنَّهَا وَسُورَةَ النَّاسِ تُسَمَّيَانِ «الْمُشَقْشِقَتَيْنِ» (بِتَقْدِيمِ الشِّينَيْنِ

صفحة رقم 623

عَلَى
الْقَافَيْنِ) مِنْ قَوْلِهِمْ خَطِيبٌ مُشَقْشِقٌ اهـ. (أَيْ مُسْتَرْسِلُ الْقَوْلِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالْفَحْلِ الْكَرِيمِ مِنَ الْإِبِلِ يَهْدِرُ بِشِقْشَقَةٍ وَهِيَ كَاللَّحْمِ يَبْرُزُ مِنْ فِيهِ إِذَا غَضِبَ) وَلَمْ أُحَقِّقْ وَجْهَ وَصْفِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ بِذَلِكَ.
وَفِي «تَفْسِير الْقُرْطُبِيّ» و «الْكَشَّاف» أَنَّهَا وَسُورَةَ النَّاسِ تُسَمِّيَانِ «المقشقشتين» (بِتَقْدِيم القافين عَلَى الشِّينَيْنِ) زَادَ الْقُرْطُبِيُّ: أَيْ تُبَرِّئَانِ مِنَ النِّفَاقِ، وَكَذَلِكَ قَالَ الطِّيبِيُّ، فَيَكُونُ اسْمُ الْمُقَشْقِشَةِ مُشْتَرِكًا بَيْنَ أَرْبَعِ سُوَرٍ هَذِهِ، وَسُورَةِ النَّاسِ، وَسُورَةِ بَرَاءَةَ، وَسُورَةِ الْكَافِرُونَ.
وَاخْتُلِفَ فِيهَا أَمَكِّيَّةٌ هِيَ أَمْ مَدَنِيَّةٌ، فَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَالْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ:
مَكِّيَّةٌ، وَرَوَاهُ كُرَيْبٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ مَدَنِيَّةٌ، وَرَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ لِأَنَّ رِوَايَةَ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَقْبُولَةٌ بِخِلَافِ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَفِيهَا مُتَكَلَّمٌ.
وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ: قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ بِسَبَبِ أَنَّ لَبِيدَ بْنَ الْأَعْصَمِ سَحَرَ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَيْسَ فِي «الصِّحَاحِ» أَنَّهَا نَزَلَتْ بِهَذَا السَّبَبِ، وَبَنَى صَاحِبُ «الْإِتْقَانِ» عَلَيْهِ تَرْجِيحَ أَنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ وَسَنَتَكَلَّمُ عَلَى قِصَّةِ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ [الفلق: ٤] وَقَدْ قِيلَ إِنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا وَالسُّورَةِ بَعْدَهَا: أَنَّ قُرَيْشًا نَدَبُوا، أَيْ نَدَبُوا مَنِ اشْتُهِرَ بَيْنَهُمْ أَنَّهُ يُصِيبُ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَيْنِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْمُعَوِّذَتَيْنِ لِيَتَعَوَّذَ مِنْهُمْ بِهِمَا، ذَكَرَهُ الْفَخْرُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَلَمْ يُسْنِدْهُ.
وَعُدَّتِ الْعِشْرِينَ فِي عِدَادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْفِيلِ وَقَبْلَ سُورَةِ النَّاسِ.
وَعَدَدُ آيَاتِهَا خَمْسٌ بِالِاتِّفَاقِ.
وَاشْتُهِرَ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي «الصَّحِيحِ» أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ أَنْ تَكُونَ «الْمُعَوِّذَتَانِ» مِنَ الْقُرْآنِ وَيَقُولُ: إِنَّمَا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَتَعَوَّذَ بِهِمَا
، أَيْ وَلَمْ يُؤْمَرْ

صفحة رقم 624

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الطاهر بن عاشور

الناشر الدار التونسية للنشر
سنة النشر 1403
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية