ولم يكن له كُفُواً أحَدٌ أي : ولم يكن أحد مماثلاً له ولا مشاكلاً، مِن صاحبة أو غيرها. و( له ) : متعلق ب " كُفُواً "، قدمت عليه للاهتمام بها ؛ لأنَّ المقصود نفي المكافأة عن ذاته تعالى، وأمّا تأخير اسم كان فلمراعاة الفواصل. ووجه الوصل في هذه الجُمل غَنِي عن البيان.
هذا ولانطواء السورة الكريمة، مع تقارب قطريها، على أنواع المعارف الإلهية والأوصاف القدسية، والرد على مَن ألحد فيها، ورد في الحديث النبوي : أنها تعدل ثلث القرآن١، فإنّ مقاصده منحصرة في بيان العقائد والأحكام والقصص، وقد استوفت العقائد لمَن أمعن النظر فيها. عن النبي صلى الله عليه وسلم :" أُسست السماوات السبع والأرضون السبع على قل هو الله أحد " ٢ أي : ما خلقت إلاَّ لتكون دلائل توحيده، ومعرفة ذاته، التي نطقت بها هذه السورة الكريمة.
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه سمع رجلاً يقرؤها، فقال :" وجبت "، فقيل : وما وجبت ؟ فقال :" الجنة " ٣، وشكى إليه رَجُلٌ الفقرَ وضيق المعاش، فقال له صلى الله عليه وسلم :" إذا دخلت بيتك فسَلِّم، إن كان فيه أحد، وإلا فسَلِّم عليّ، واقرأ : قل هو الله أحد "، ففعل الرجل، فأدرّ اللهُ عليه الرزق، حتى أفاض على جيرانه٤.
وخرّج الترمذي أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال :" من قرأ قل هو الله أحد مائتي مرة في يوم غُفرت له ذنوب خمسين سنة، إلاّ أن يكون عليه دَيْن " ٥.
وفي الجامع الصغير أحاديث في فضل السورة تركناه خوف الإطناب.
و( الله ) يشير إلى مقام الأنوار الكثيفة المتدفقة من بحر الجبروت ؛ لأنّ حقيقة المشاهدة : تكثيف اللطيف، وحقيقة المعاينة : تلطيف الكثيف، فالمعاينة أرقّ، فشهود الكون أنواراً كثيفة فاضت من بحر الجبروت مشاهدة، فإذا لَطَّفها حتى اتصلت بالبحر اللطيف المحيط، وانطبق بحر الأحدية على الكل سُميت معاينةً، ووصفه تعالى بالأحدية والصمدية والتنزيه عن الولد والوالد يحتاج إلى استدلال وبرهان، وهو مقام الإيمان، والأول مقام الإحسان، فالآية من باب التدلي.
قال القشيري : يقال : كاشَفَ تعالى الأسرارَ بقوله ( هو )، والأرواحَ بقوله :( الله )، وكاشف القلوبَ بقوله :( أحد )، وكاشف نفوسَ المؤمنين بباقي السورة. ويُقال : كاشف الوالهين بقوله :( هو )، والموحِّدين بقوله :( الله )، والعارفين بقوله :( أحد )، والعلماء بالباقي، ثم قال : ويُقال : خاطب خاصة الخاص بقوله :( هو ) فاستقلوا، ثم خاطب الخواص بقوله ( الله ) فاشتغلوا، ثم زاد في البيان لمَن نزل عنهم، فقال :( أحد )، ثم نزل عنهم بالصمد، وكذلك لمَن دونهم. هـ. وقال في نوادر الأصول : هو اسم لا ضمير، من الهوية، أي : الحقيقة. انظر بقية كلامه.
قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمان العارف : والحاصل : أنَّ الإشارة بـ " هو " مختصة بأهل الاستغراق والتحقُّق في الهوية الحقيقة، فلانطباق بحر الأحدية عليهم، وانكشاف الوجود الحقيقي لديهم، فقدوا مَن يشار إليه إلاّ هو ؛ لأنّ المُشار إليه لمّا كان واحداً كانت الإشارة مطلقة لا تكون إلاّ إليه، لفقد ما سواه في شعورهم، لفنائهم عن الرسوم البشرية بالكلية، وغيبتهم عن وجودهم، وعن إحساسهم وأوصافهم الكونية، وذلك غاية في التوحيد والإعظام. منحنا اللهُ ذلك على الدوام، وجعلنا من أهله، ببركة نبيه عليه الصلاة والسلام. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.
٢ أخرجه ابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ص١٩٠، والمتقي الهندي في كنز العمال ٢٦٦٥..
٣ أخرجه الترمذي في فضائل القرآن حديث ٢٨٩٧..
٤ أخرجه القرطبي في تفسيره ٨/٧٥٣٦..
٥ أخرجه الترمذي في فضائل القرآن حديث ٢٨٩٨..
الإشارة : قد اشتملت السورةُ على التوحيد الخاص، أعني : توحيد أهل العيان، وعلى التوحيد العام، أعني : توحيد أهل البرهان، فالتوحيد الخاص له مقامان : مقام الأسرار الجبروتية، ومقام الأنوار الملكوتية، فكلمة ( هو ) تُشير إلى مقام الأسرار اللطيفة الأصلية الجبروتية.
و( الله ) يشير إلى مقام الأنوار الكثيفة المتدفقة من بحر الجبروت ؛ لأنّ حقيقة المشاهدة : تكثيف اللطيف، وحقيقة المعاينة : تلطيف الكثيف، فالمعاينة أرقّ، فشهود الكون أنواراً كثيفة فاضت من بحر الجبروت مشاهدة، فإذا لَطَّفها حتى اتصلت بالبحر اللطيف المحيط، وانطبق بحر الأحدية على الكل سُميت معاينةً، ووصفه تعالى بالأحدية والصمدية والتنزيه عن الولد والوالد يحتاج إلى استدلال وبرهان، وهو مقام الإيمان، والأول مقام الإحسان، فالآية من باب التدلي.
قال القشيري : يقال : كاشَفَ تعالى الأسرارَ بقوله ( هو )، والأرواحَ بقوله :( الله )، وكاشف القلوبَ بقوله :( أحد )، وكاشف نفوسَ المؤمنين بباقي السورة. ويُقال : كاشف الوالهين بقوله :( هو )، والموحِّدين بقوله :( الله )، والعارفين بقوله :( أحد )، والعلماء بالباقي، ثم قال : ويُقال : خاطب خاصة الخاص بقوله :( هو ) فاستقلوا، ثم خاطب الخواص بقوله ( الله ) فاشتغلوا، ثم زاد في البيان لمَن نزل عنهم، فقال :( أحد )، ثم نزل عنهم بالصمد، وكذلك لمَن دونهم. هـ. وقال في نوادر الأصول : هو اسم لا ضمير، من الهوية، أي : الحقيقة. انظر بقية كلامه.
قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمان العارف : والحاصل : أنَّ الإشارة بـ " هو " مختصة بأهل الاستغراق والتحقُّق في الهوية الحقيقة، فلانطباق بحر الأحدية عليهم، وانكشاف الوجود الحقيقي لديهم، فقدوا مَن يشار إليه إلاّ هو ؛ لأنّ المُشار إليه لمّا كان واحداً كانت الإشارة مطلقة لا تكون إلاّ إليه، لفقد ما سواه في شعورهم، لفنائهم عن الرسوم البشرية بالكلية، وغيبتهم عن وجودهم، وعن إحساسهم وأوصافهم الكونية، وذلك غاية في التوحيد والإعظام. منحنا اللهُ ذلك على الدوام، وجعلنا من أهله، ببركة نبيه عليه الصلاة والسلام. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي