فلما ذهبوا به وأجمعوا(١) أن يجعلوه في غيابة الجب وأوحينا إليه لتنبئهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ( ١٥ )
وقوله الحق :
وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب.. ( ١٥ ) [ يوسف ]
يدلنا على أن تلك المسألة أخذت منهم مناقشة، فيها أخذ ورد، إلى أن استقروا عليها(٢).
وألهم الحق سبحانه يوسف عليه السلام بما سوف يفعلونه، والوحي كما نعلم هو إعلام بخفاء.
وسوف يأتي في القصة أن يوسف عليه السلام بعد أن تولى الوزارة في مصر ودخلوا عليه أمسك بقدح ونقر عليه بأصابعه، وقال لهم : اسمعوا ما يقوله القدح ؛ إنه يقول : إن لكم أخا وقد فعلتم به كذا وكذا(٣).
وبعض المفسرين قال : إن الحق سبحانه أوحى له، ولم يلحظ إخوته هذا الوحي.
ونقول : إن الوحي إعلام بخفاء، ولا يمكن أن يشعر به غير الموحى إليه، وعلى ذلك نرى أنهم لهم يعلموا هذا الأمر إلا بعد أن تولى يوسف مقاليد الوزارة في مصر ؛ بل إنهم لم يعرفوا أن يوسف أخوهم ؛ لأنهم قالوا له لحظتها :
إن يسرق فقد سرق(٤) أخ له من قبل... ( ٧٧ ) [ يوسف ]
والمقصود بالوحي في هذه الآية –التي نحن بصدد خواطرنا عنها- هو إيناس الوحش ؛ وهو وارد إلهي لا يرده وارد الشيطان ؛ والإلهام وارد بالنسبة لمن هم غير أنبياء ؛ مثلما أوضحنا الأمر الذي حدث مع أم موسى حين أوحى لها الله أن تلقيه في اليم(٥).
والوارد الإلهي لا يجد له معارضة في النفس البشرية، وقد أوحى الله ليوسف ما يؤنس وحشته(٦) حين ألقاه إخوته في الجب الذي ابتعد فيه عن حنان أبيه وأنسه بأخيه، ومفارقته لبلده التي درج(٧) فيها وأنسه بالبيئة التي اعتاد عليها.
فكان لا بد أن تعطيه السماء دليلا على أن ما حدث له ليس جفوة لك يا يوسف ؛ لكنه إعداد لك لتقابل أمرا أهم من الذي كنت فيه ؛ وأن غرماءك- وهم إخوتك- سوف يضطرون لدق بابك ذات يوم يطلبون عونك، ويطلبون منك أقواتهم، وستعرفهم أنت دون أن يعرفوك.
هذا من جهة يوسف ؛ وجهة الجب الذي ألقوه فيه، وبقى أن تعالج القصة أمر الإخوة مع الأب، فيقول الحق سبحانه بعد ذلك :
وجاءوا أباهم عشاء يبكون ( ١٦ )
٢ - ذكر القرطبي في هذا أن يعقوب عليه السلام لما أرسله معهم أخذ عليهم ميثاقا غليظا ليحفظنه، وسلمه إلى روبيل وقال: يا روبيل إنه صغير وتعلم يا بني شفقتي عليه، فإن جاع فأطعمه، وإن عطش فاسقه، وإن أعيا فاحمله، ثم عجل برده إلي. قال: فأخذوه يحملونه على أكتافهم، لا يضعه واحد إلا رفعه آخر [انظر: تفسير القرطبي ٤/ ٣٤٦٢]..
٣ - أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لما دخل إخوة يوسف على يوسف فعرفهم وهم له منكرون، جيء بالصواع فوضعه على يده، ثم نقره فطن فقال: إني ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف، يدين دينكم وأنكم انطلقتم به فألقيتموه في غيابة الجب، فأتيتم أباكم فقلتم: إن الذئب أكله وجئتم على قميصه بدم كذب، فقال بعضهم لبعض: إن هذا الجام ليخبره خبركم" [أورده السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥١١]..
٤ - يقصدون يوسف عليه السلام. قال سعيد بن جبير عن قتادة: كان يوسف عليه السلام قد سرق صنما لجده أبي أمه فكسره، وقال محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد قال: كان أول ما دخل على يوسف من البلاء –فيما بلغني- أن عمته ابنة إسحاق وكانت أكبر ولد إسحاق وكانت عندها منطقة إسحاق وكانوا يتوارثونها بالكبر وكان من اختبأها ممن وليها كان له سلما لا ينازع فيه يصنع فيه ما يشاء وكان يعقوب حين ولد له يوسف قد حضنته عمته وكان لها به وله فلم تحب أحدا حبها إياه حتى إذا ترعرع وبلغ سنوات تاقت إليه نفس يعقوب فأتاها فقال: يا أخية سلمى إلي يوسف فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة قالت: فوالله ما أنا بتاركته ثم قالت: فدعه عندي أياما أنظر إليه وأسكن عنه لعل ذلك يسليني عنه أو كما قالت فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى منطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه ثم قالت: فقدت منطقة إسحاق عليه السلام فانظروا من أخذها ومن أصابها؟ فالتمست ثم قالت: اكشفوا أهل البيت فكشفوهم فوجدوا مع يوسف فقالت: والله إنه لي لسلم انصع فيه ما شئت، فأتاها يعقوب فأخبرته الخبر فقال لها: أنت وذاك إن كان فعل ذلك فهو سلم لك، ما أستطيع غير ذلك، فأمسكته فما قدر عليه يعقوب حتى ماتت" راجع تفسير ابن كثير ٢/ ٤٨٦]..
٥ - يقول تعالى: إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى (٣٨) أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليقه اليم بالساحل..(٣٩) [طه]..
٦ - ومما ورد في هذا ما نقله القرطبي في تفسيره [٤/ ٣٤٦٥]: "قال الضحاك: نزل جبريل عليه السلام على يوسف وهو في الجب فقال له: ألا أعلمك كلمات إذا أنت قلتهن عجل الله خروجك من هذا الجب؟ فقال: نعم، فقل له: قل يا صانع كل مصنوع، ويا جابر كل كسير، ويا شاهد كل نجوى، ويا حاضر كل ملأ، ويا مفرج كل كربة، ويا صاحب كل غريب، ويا مؤنس كل وحيد، ايتني بالفرج والرجاء، واقذف رجاءك في قلبي حتى لا أرجو أحدا سواك.
فرددها يوسف في ليلته مرارا، فأخرجه الله في صبيحة يومه ذلك من الجب"..
٧ - يقال للصبي إذا دب وأخذ في الحركة: درج، ودرج الشيخ والصبي يدرج فهو دارج: مشيا مشيا ضعيفا ودبا. [لسان العرب- مادة: درج]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي