فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ من عند يعقوب وَأَجْمَعُوا أمرهم أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَابَةِ الجب قد تقدّم تفسير الغيابة والجب قريباً، وجواب «لما » محذوف لظهوره ودلالة المقام عليه، والتقدير : فعلوا به ما فعلوا، وقيل : جوابه قَالُواْ يا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وقيل : الجواب المقدّر جعلوه فيها. وقيل : الجواب : أوحينا والواو مقحمة، ومثله قوله تعالى : فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وناديناه [ الصافات : ١٠٣ - ١٠٤ ] أي : ناديناه وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أي : إلى يوسف تيسيراً له وتأنيساً لوحشته مع كونه صغيراً اجتمع على إنزال الضرر به عشرة رجال من إخوته، بقلوب غليظة فقد نزعت عنها الرحمة وسلبت منها الرأفة، فإن الطبع البشري، - دع عنك الدين - يتجاوز عن ذنب الصغير، ويغتفره لضعفه عن الدفع، وعجزه عن أيسر شيء يراد منه، فكيف بصغير لا ذنب له، بل كيف بصغير هو أخ وله ولهم أب مثل يعقوب، فلقد أبعد من قال إنهم كانوا أنبياء في ذلك الوقت، فما هكذا عمل الأنبياء ولا فعل الصالحين، وفي هذا دليل على أنه يجوز أن يوحي الله إلى من كان صغيراً ويعطيه النبوّة حينئذٍ، كما وقع في عيسى ويحيى بن زكريا، وقد قيل : إنه كان في ذلك الوقت قد بلغ مبالغ الرجال، وهو بعيد جدّاً، فإن من كان قد بلغ مبالغ الرجال لا يخاف عليه أن يأكله الذئب. لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا أي : لتخبرنّ إخوتك بأمرهم هذا الذي فعلوه معك بعد خلوصك مما أرادوه بك من الكيد، وأنزلوه عليك من الضرر، وجملة وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ في محل نصب على الحال، أي : لا يشعرون بأنك أخوهم يوسف لاعتقادهم هلاكك بإلقائهم لك في غيابة الجبّ، ولبعد عهدهم بك، ولكونك قد صرت عند ذلك في حال غير ما كنت عليه وخلاف ما عهدوه منك، وسيأتي ما قاله لهم عند دخولهم عليه بعد أن صار إليه ملك مصر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً نرتع وَنَلْعَبُ قال : نسعى وننشط ونلهو. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، والسلفي في الطيوريات عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا تلقنوا الناس فيكذبوا، فإن بني يعقوب لم يعلموا أن الذئب يأكل الناس، فلما لقنهم أبوهم كذبوا، فقالوا : أكله الذئب ) وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله : وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ الآية قال : أوحي إلى يوسف وهو في الجبّ لتنبئن إخوتك بما صنعوا وهم لا يشعرون بذلك الوحي. وأخرج هؤلاء عن قتادة قال : أوحى الله إليه وحياً وهو في الجبّ أن سينبئهم بما صنعوا وهم أي : إخوته لا يشعرون بذلك الوحي، فهوّن ذلك الوحي عليه ما صنع به. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله : وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ قال : لم يعلموا بوحي الله إليه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه قال : لما دخل إخوة يوسف على يوسف فعرفهم وهم له منكرون جيء بالصواع فوضعه على يده، ثم نقره فطنّ، فقال : إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له : يوسف يدنيه دونكم، وأنكم انطلقتم به فألقيتموه في غيابة الجبّ، فأتيتم أباكم فقلتم : إن الذئب أكله، وجئتم على قميصه بدم كذب، فقال بعضهم لبعض : إن هذا الجام ليخبره [ بخبركم ]، فقال ابن عباس : فلا نرى هذه الآية نزلت إلاّ في ذلك لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون . وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي بكر بن عياش قال : كان يوسف في الجبّ ثلاثة أيام. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا قال : بمصدّق لنا. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس وَجَاءوا على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قال : كان دم سخلة. وأخرج ابن جرير عن مجاهد مثله. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس وَجَاءوا على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قال : لما أتي يعقوب بقميص يوسف فلم ير فيه خرقاً قال : كذبتم لو كان كما تقولون أكله الذئب لخرق القميص. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله : بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا يقول : بل زينت لكم أنفسكم أمراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ والله المستعان على مَا تَصِفُونَ أي : على ما تكذبون. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الصبر، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن حبان بن أبي حبلة قال :( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ قال :( لا شكوى فيه، من بثّ لم يصبر ) وهو من طريق هشيم عن عبد الرحمن، عن حبان بن أبي حبلة، وهو مرسل. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ قال : ليس فيه جزع.