ﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑ

و( صبر جميل ) : مبتدأ، والخبر محذوف، أي : مثل. أو : خبر عن مبتدأ، أي : أمري صبر جميل. و( على قميصه ) : في موضع نصب على الظرف، أي : فوق قميصه. أو : حال من الدم ؛ إن جوز تقديمها على المجرور.
وجاؤوا على قميصه : فوق قميصه بدم كذبٍ ، أي : ذي كذب بمعنى مكذوب فيه ؛ لأنهم ذبحوا جدياً ولطخوا قميصه بدمه. رُوي أنه لما سمع بخبر يوسف صاح ودعا بقميصه فأخذه، وألقاه على وجهه، وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص، وقال : ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا ! أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه.
وفي رواية أخرى : أنه لما رأى صحة القميص ضحك، فقالوا له : الضحك والبكاء من فعل المجانين ! فقال : أما بكائي فعلى يوسف لما رأيت الدم، وأما ضحكي، فإني لما رأيت صحة القميص رجوت أن الحديث غير صحيح، ولذلك قال بل سولتْ لكم أنفسكم أمراً أي : سهلت لكم، وهونت في أعينكم أمراً عظيماً حتى أقدمتم عليه.
وقيل : لما سمع مقالهم غشي عليه إلى الصباح، وهم يبكون بأجمعهم، ويقولون بينهم : بئس ما فعلناه بيوسف ووالده، وأي عذر لنا عند الله. فلما أفاق نظر إلى أولاده، وقال : هكذا يا أولادي كان ظني فيكم، بئس ما فعلتم، وبئس ما سولت لكم أنفسكم فصبر جميل أي : فأمري صبري جميل. وفي الحديث :" الصبرُ الجميل الذي لا شكوى فيه إلى الخلق " ١ واللَّهُ المستعانُ على ما تصفون أي : على احتمال ما تصفونه من هلاك ابني يوسف. وهذه الجريمة كانت قبل استنبائهم، إن صح أنهم تنبأوا. وقد تقدم في سورة البقرة الخلاف في نبوة الأسباط فراجعه٢.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : في هذه الآية رجاء كبير لأهل العصيان، وبشارة وتأنيس لمن أراد مقام الإحسان بعد الإساءة والغفلة والنسيان، وذلك أن هؤلاء السادات فعلوا بيوسف عليه السلام ما فعلوا، فلما تابوا بعد هذا الفعل العظيم اجتباهم الحق تعالى، وتاب عليهم، وقربهم حتى صاروا أنبياء، على حد قول بعض العلماء. ولذلك قيل :[ كم من خصوص خرجوا من اللصوص، وكم من عابد ناسك خرج من ظالم فاتك ]. وفي الحكم :" من استغرب أن ينقذه الله من شهوته، وأن يخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز القدرة الإلهية، وكان الله على كل شيء مقتدراً ". وللشافعي رضي الله عنه :

فَلما قَسَا قَلبي وَضَاقَت مَذَاهِبِي جَعَلتُ الرَجَا منِّي لِعَفْوكَ سُلَّمَا
تَعَاظَمَني ذَنبِي فَلَمَّا قَرَنتُهُ بِعفوكَ رَبِّي كَانَ عَفوُكَ أَعظَمَا
وهذا إنما يكون بالتوبة النصوح، والنهوض التام، والمجاهدة الكبيرة، كما فعل إبراهيم بن أدهم، والفضل بن عياض، والشيخ أبو يعزى، وغيرهم ممن كانوا لصوصاً فصاروا خصوصاً. قال النبي صلى الله عليه وسلم :" مَن لَم يَغلِب نَفسَه وَهَواه فَليس لَهُ حَظٌ في عُقبَاه ". وأنشدوا :
جَنَينَا على النَّفس الَّتي لَك رُشدُها بِطبْعِ الهَوى فِيها وَتِيهٍ مَن الحِجا
جَزَى الله خَيراً مَن أَعَدَّ لِدَائهِ دَوَاءَ التُقَى فَاستَعمَلَ الخَوفَ والرَّجَا
جَبَانٌ وتَرجُوا أن تُلقَّبَ فَارساً مَتَى شَابه العَضبُ اليَمَانيُّ دُملَجَا
وفيها أيضاً : تنويه بمقام الصابرين وعاقبة المتقين، فإن يعقوب عليه السلام، لما استعمل الصبر الجميل، جمع الله شمله بولده مع ما أعد له من الثواب الجزيل. ويوسف عليه السلام، لما صبر على ما أصابه من المحن ؛ عوضه العز الدائم بترادف المنن. وفي الخبر :" أعلى الدرجات درجات الصابرين ". لكل عمل ثواب محدود، وثواب الصابرين غير محدود ولا معدود. قيل : إن الله تعالى أعطى لكل صابر قصراً في الجنة مسيرة الشمس أربعين يوماً، من درة بيضاء معلقة في الهواء، ليس تحته دعامة، ولا فوقه علاقة، وله أربعة آلاف باب، يدخل من كل باب سبعون ألف ملك، يسلمون على صاحبه ولا ترجع النوبة إليهم أبداً. هـ.

١ أخرجه الطبري في تفسيره ١٢/١٦٦..
٢ انظر تفسير الآية ١٣٦ من سورة البقرة..

الإشارة : في هذه الآية رجاء كبير لأهل العصيان، وبشارة وتأنيس لمن أراد مقام الإحسان بعد الإساءة والغفلة والنسيان، وذلك أن هؤلاء السادات فعلوا بيوسف عليه السلام ما فعلوا، فلما تابوا بعد هذا الفعل العظيم اجتباهم الحق تعالى، وتاب عليهم، وقربهم حتى صاروا أنبياء، على حد قول بعض العلماء. ولذلك قيل :[ كم من خصوص خرجوا من اللصوص، وكم من عابد ناسك خرج من ظالم فاتك ]. وفي الحكم :" من استغرب أن ينقذه الله من شهوته، وأن يخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز القدرة الإلهية، وكان الله على كل شيء مقتدراً ". وللشافعي رضي الله عنه :
فَلما قَسَا قَلبي وَضَاقَت مَذَاهِبِي جَعَلتُ الرَجَا منِّي لِعَفْوكَ سُلَّمَا
تَعَاظَمَني ذَنبِي فَلَمَّا قَرَنتُهُ بِعفوكَ رَبِّي كَانَ عَفوُكَ أَعظَمَا
وهذا إنما يكون بالتوبة النصوح، والنهوض التام، والمجاهدة الكبيرة، كما فعل إبراهيم بن أدهم، والفضل بن عياض، والشيخ أبو يعزى، وغيرهم ممن كانوا لصوصاً فصاروا خصوصاً. قال النبي صلى الله عليه وسلم :" مَن لَم يَغلِب نَفسَه وَهَواه فَليس لَهُ حَظٌ في عُقبَاه ". وأنشدوا :
جَنَينَا على النَّفس الَّتي لَك رُشدُها بِطبْعِ الهَوى فِيها وَتِيهٍ مَن الحِجا
جَزَى الله خَيراً مَن أَعَدَّ لِدَائهِ دَوَاءَ التُقَى فَاستَعمَلَ الخَوفَ والرَّجَا
جَبَانٌ وتَرجُوا أن تُلقَّبَ فَارساً مَتَى شَابه العَضبُ اليَمَانيُّ دُملَجَا
وفيها أيضاً : تنويه بمقام الصابرين وعاقبة المتقين، فإن يعقوب عليه السلام، لما استعمل الصبر الجميل، جمع الله شمله بولده مع ما أعد له من الثواب الجزيل. ويوسف عليه السلام، لما صبر على ما أصابه من المحن ؛ عوضه العز الدائم بترادف المنن. وفي الخبر :" أعلى الدرجات درجات الصابرين ". لكل عمل ثواب محدود، وثواب الصابرين غير محدود ولا معدود. قيل : إن الله تعالى أعطى لكل صابر قصراً في الجنة مسيرة الشمس أربعين يوماً، من درة بيضاء معلقة في الهواء، ليس تحته دعامة، ولا فوقه علاقة، وله أربعة آلاف باب، يدخل من كل باب سبعون ألف ملك، يسلمون على صاحبه ولا ترجع النوبة إليهم أبداً. هـ.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير