ﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑ

كأن قميص يوسف كان معهم، ويقال : إن يعقوب علق على مجيء القميص وعليه الدم الكذب بأن الذئب كان رحيما، فأكل لحم يوسف ولم يمزق قميصه ؛ وكأنه قد عرف أن هناك مؤامرة سيكشفها الله له١.
ويصف بعض العلماء قصة يوسف بقصة القميص :
فهنا جاء إخوته بقميصه وعليه دم كذب.
وفي أواسط السورة٢ تأتي مسألة قميص يوسف إن كان قد شق من دبر لحظة أن جذبته امرأة العزيز لتراوده٣ عن نفسه.
وفي آخر السورة٤ يرسل إخوته بقميصه إلى والده فيرتد بصره.
ولهذا أخذ العلماء والأدباء كلمة القميص كرمز لبعض الأشياء ؛ والمثل هو قول الناس عن الحرب بين علي رضي الله عنه ومعاوية رضي الله عنه أن معاوية امسك بقميص عثمان بن عفان طلبت للثأر من علي، فقيل " قميص عثمان " رمزا لإخفاء الهدف عن العيون، وكان هدف معاوية أن يحكم بدلا من علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين.
وهنا يقول الحق سبحانه :
وجاءوا على قميصه بدم كذب٥.. ( ١٨ ) [ يوسف ]
وكأن القميص كان معهم، ووضعوا عليه دما مكذوبا، لأن الدم لا يكذب، إنما كذب من جاء بدم الشاة ووضعه على القميص.
وشاء الحق سبحانه هنا أن يعطي الوصف المصدري للمبالغة ؛ وكأن الدم نفسه هو الذي كذب ؛ مثلما تقول " فلان عادل " ويمكنك أن تصف إنسانا بقولك " فلان عدل " أي : كأن العدل تجسد فيه، أو قد تقول " فلان ذو شر "، فيرد عليك آخر " بل هو الشر بعينه "، وهذه مبالغة في الحدث.
وهل كان يمكن أن يوصف الدم بأنه دم صادق ؟
نقول : نعم، لو كان الذئب قد أكل يوسف بالفعل ؛ وتلوث قميص يوسف بدم يوسف وتمزق، ولكن ذلك لم يحدث، بل إن الكذب يكاد يصرخ في تلك الواقعة ويقول " أنا كذب ".
فلو كان قد أكله الذئب فعلا ؛ كان الدم قد نشع من داخل القميص لخارجه ؛ ولكنهم جاءوا بدم الشاة ولطخوا به القميص من الخارج.
وبالله، لو أن الذئب قد أكله فعلا، ألم تكن أنيابه قد مزقت القميص ؟
وحين انكشف أمرهم أمام أبيهم ؛ أشار أحدهم خفية للباقين وقال لهم همسا : قولوا لأبيكم : إن اللصوص قد خرجوا عليه وقتلوه ؛ فسمع يعقوب الهمس فقال : اللصوص أحوج لقميصه من دمه ؛ ٦. وهذا ما تقوله كتب السيرة.
وهذا ما يؤكد فراسة يعقوب، هذه الفراسة٧ التي يتحلى بها أي محقق في قضية قتل ؛ حين يقلب أسئلته للمتهم وللشهود ؛ لأن المحقق يعلم أن الكاذب لن يستوحي أقواله من واقع ؛ بل يستوحي أقواله من خيال مضطرب.
ولذلك يقال : " إن كنت كذوبا فكن ذكورا " ٨.
ويأتي هنا الحق سبحانه بما جاء على لسان يعقوب :
بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ( ١٨ ) [ يوسف ]
" والسول " : هو الاسترخاء ؛ لأن الإنسان حين تكون أعصابه مشدودة ؛ ثم يحب أن يسترخي، فيستريح قليلا، وبعد ذلك يجد في نفسه شيئا من اليسر في بدنه ونبضه.
ونأخذ سولت.. ( ١٨ ) [ يوسف ]
هذا بمعنى يسرت وسهلت، وما دامت قد سولت لكم أنفسكم هذا الأمر فسوف أستقبله بما يليق بهذا الوضع، وهو الصبر.
فصبر جميل.. ( ١٨ ) [ يوسف ]
والذين يحاولون اصطياد خطأ في القرآن يقولون " وهل يمكن أن يكون الصبر جميلا ؟ ".
نقول : هم لا يعرفون أن الصبر يقال فيه " اصبر عن كذا " إذا كان الأمر عن شهوة قد تورث إيلاما ؛ كأن يقال " اصبر عن الخمر " أو " اصبر عن الميسر " أو " اصبر عن الربا ".
ويقال " " اصبر على كذا " إذا كان الصبر فيه إيلام لك، والصبر يكون جميلا حينما لا تكون فيه شكوى أو جزع.
والحق سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم :
واهجرهم٩ هجرا جميلا ( ١٠ ) [ المزمل ]
وهؤلاء الذي يبحثون عن تناقض أو تضارب في القرآن إنما هم قوم لا يعرفون كيفية استقباله وفهمه ؛ وقد بين لنا يعقوب عليه السلام أن الصبر الجميل هو الصبر الذي لا شكوى فيه، وهو القائل :
إنما أشكو بثي وحزني إلى الله.. ( ٨٦ ) [ يوسف ]
وهكذا نعلم أن هناك فارقا بين الشكوى للرب ؛ وشكوى من قدر الرب.
ولذلك يقول يعقوب عليه السلام هنا :
فصبر جميل١٠.. ( ١٨ ) [ يوسف ]
ويتبعها :
والله المستعان على ما تصفون ( ١٨ ) [ يوسف ]
كأن الصبر الجميل أمر شاق على النفس البشرية، ولم يكن يعقوب قادرا على أن يصدق ما قاله أبناؤه له ؛ فكيف يصدق الكذب ؟ وكيف يمكن أن يواجه أبناءه بما حدث منهم ؟ وهم أيضا أبناؤه ؛ لكنه كان غير قادر على أن يكشف لهم كذبهم.
والمثل لذلك ما جاء في التراث العربي حين قيل لرجل : إن ابنك قد قتل أخاك، فقال :
أقول لنفسي تأساء وتعزيه إحدى يدي أصابتني ولم ترد
كلاهما خلف عن فقد صاحبه هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي
ومثل هذه المواقف تكون صعبة وتتطلب الشفقة ؛ لأن من يمر بها يحتار بين أمر يتطلب القسوة وموقف يتطلب الرحمة ؛ وكيف يجمع إنسان بين الأمرين ؟
إنها مسألة تعز على خلق الله ؛ ولا بد أن يفزع فيها الإنسان إلى الله ؛ ولذلك علمنا صلى الله عليه وسلم أنه إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة١١ ؛ وحزبه أمر ما يعني : أن مواجهة هذا الأمر تفوق أسباب الإنسان ؛ فيلجأ إلى المسبب الأعلى ؛ ولذلك قال يعقوب عليه السلام :
والله المستعان على ما تصفون ( ١٨ ) [ يوسف ]
وقوله : " تصفون " يعني : أنكم لا تقولون الحقيقة، بل تصفون شيئا لا يصادف الواقع، مثل قوله تعالى :
ولا تقولوا لما تصف١٢ ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام. ( ١١٦ ) [ النحل ]
أي : أن ألسنتكم نفسها تصف الكلام أنه كذب.
والحق سبحانه يقول :
سبحان ربك رب العزة عما يصفون ( ١٨٠ ) [ الصافات ]
وتعني أن هؤلاء الذين قالوا ما قيل عنه أنه وصف قد كذبوا فيما قالوا ؛ وكان مصير كذبهم مفضوحا.
فصبر جميل١٣ والله المستعان على ما تصفون ( ١٨ ) [ يوسف ]
وهكذا عبر يعقوب عليه السلام عن نفسه ؛ فالجوارح قد تكون ساكنة ؛ لكن القلب قد يزدحم بالهموم ويفتقد السكون ؛ لذلك لا بد من الاستعانة بالله.
وقد علمنا الحق سبحانه أن نقول في فاتحة الكتاب :
إياك نعبد وإياك نستعين ( ٥ ) [ الفاتحة ]
فأنت تقف لعبادة الله وبين يديه ؛ لكن الدنيا قد تشغلك عن العبادة أثناء أداء العبادة نفسها ؛ لذلك تستعين بخالقك لتخلص في عبادتك.
وبعد أن عرض الحق سبحانه لموقف الأب مع أولاده، نأتي لموقف يوسف عليه السلام في الجب.
يقول سبحانه :
وجاءت سيارة١٤ فأرسلوا واردهم١٥ فأدلى دلوه١٦ قال يا بشرى١٧ هذا غلام وأسروه١٨ بضاعة والله عليم بما يعملون ( ١٩ )

١ - نقل القرطبي في تفسيره [٤/ ٣٤٧١] "أن يعقوب عليه السلام لما تأمل القميص فلم يجد فيه خرقا ولا أثرا استدل بذلك على كذبهم، وقال لهم: متى كان هذا الذئب حكميا يأكل يوسف ولا يخرق القميص، قاله ابن عباس وغيره"..
٢ - وذلك في قوله تعالى: قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين (٢٦) وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين (٢٧) [يوسف]..
٣ - راوده على الشيء: مراودة: طلبه منه بجهد وحيل ومساومة، وقوله تعالى: وراودته التي هو في بيتها عن نفسه...(٢٣) [يوسف] أي: طلبت منه نفسه في محاولة ومخادعة، [القاموس القويم ١/ ٢٨١ بتصرف]..
٤ - وذلك في قوله تعالى عن يوسف عليه السلام أنه قال إخوته: اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا..(٩٣) [يوسف]..
٥ - هذا أسلوب الإعجاز البلاغي، وفيه إشارة إلى قضية ملفقة..
٦ - ذكر القرطبي في تفسيره [٤/ ٣٤٧٢] محاولات أبناء يعقوب تبرير ما حدث وانكشاف أمرهم أمام أبيهم لفراستهم فقال: "روى أنهم قالوا له: بل اللصوص قتلوه، فاختلف قولهم، فاتهمهم، فقال لهم يعقوب: تزعمون أن الذئب أكله، ولو أكله لشق قميصه قبل أن يفضي إلى جلده، وما أرى بالقميص من شق، وتزعمون أن اللصوص قتلوه، ولو قتلوه لأخذوا قميصه، هل يريدون إلا ثيابه؟".
٧ - الفراسة: في النظر والتثبت والتأمل للشيء والبصر به ولهما معنيان قالهما ابن الأثير:
أحدهما: ما يوقعه الله تعالى في قلوب أوليائه فيعلمون أحوال بعض الناس بنوع من الكرامات وإصابة الظن والحدس.
الثاني: نوع يتعلم بالدلائل والتجارب والخلق والأخلاق، فتعرف به أحوال الناس". نقله ابن منظور في [لسان العرب- مادة: فرس].

٨ - الذكر: الحفظ للشيء تذكره، ورجل ذكير: جيد الذكر والحفظ، والذكر والذكرى: نقيض النسيان. والتذكر: تذكر ما أنسيته. [لسان العرب- مادة: ذكر]..
٩ - هجره يهجره هجرا وهجرانا: تركه مع سخط ونفور، قال تعالى: والرجز فاهجر (٥) [المدثر] أي: اترك الرجز كله نافرا منه كارها له، وهذا الأمر بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم معناه: أثبت على هجره لأنه لم يفعل رجزا، وقوله تعالى: واهجرهم هجرا جميلا (١٠) [المزمل] أي: اتركهم وابتعد عنهم في سماحة بغير إيذاء [القاموس القويم ٢/ ٢٩٨]..
١٠ - الصبر الجميل هو الصبر مع الرضى، والتفويض لمن بيده الأمر: من مفهوم خواطر الإمام..
١١ - عن حذيفة قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم: إذا حزبه أمر صلى" أخرجه الإمام أحمد في مسنده [٥/ ٣٨٨] وأبو داود في سننه [١٣١٩]..
١٢ - وصف الأمر: ذكره وعرفه وتحدث به. قال تعالى: تصف ألسنتكم الكذب..(١١٦) [النحل] أي: تذكره وتقوله، وقال تعالى: سبحانه وتعالى عما يصفون (١٠٠) [الأنعام] أي: من الوصف الذي يصفونه به مما لا يليق بكماله كوجود شريك له أو ابن أو غير ذلك، وقال تعالى: سيجزيهم وصفهم..(١٣٩) [الأنعام]. أي: جزاء وصفهم وعقابه [القاموس القويم ٢/ ٣٣٩]..
١٣ - الجمال: البهاء والحسن يوصف به الحسي والمعنوي، قال تعالى: فصبر جميل..(١٨) [يوسف] وهو جمال معنوي، وقوله: فاصفح الصفح الجميل (٨٥) [الحجر] الذي لا لوم معه ولا عتاب، والسراح الجميل: الطلاق المصحوب بالإحسان إلى المطلقة ومنحها حقوقها كاملة وبغير إيذاء، وقوله: واهجرهم هجرا جميلا (١٠) [المزمل] لا إيذاء فيه بقول أو عمل [القاموس القويم ١/ ١٢٨].
.

١٤ - السيارة: الجماعة السائرة المسافرة، قال تعالى: وجاءت سيارة (١٩) [يوسف] أي: جماعة مسافرة، وقوله تعالى: متاعا لكم وللسيارة (٩٦) [المائدة] للمسافرين. [القاموس القويم ١/ ٣٤٠]..
١٥ - وردت الماء إذا حضرته لتشرب، والورد: الماء الذي ترد عليه، والواردة: وراد الماء، والورد: الوارد، وهم الذي يردون الماء. [لسان العرب- مادة: ورد]. ورد الماء: قصده وبلغه ووصل إليه..
١٦ -الدلو: الوعاء الذي يخرج الماء من البئر ونحوه، قال تعالى: فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه..(١٩) [يوسف] أي: أنزله في البئر ليخرج منه ماء. [القاموس القويم ١/ ٢٣١].
١٧ - قال القرطبي في تفسيره [٤/ ٣٤٧٥]: "في معناه قولان:
أحدهما: اسم الغلام.
الثاني: يا أيتها البشرى هذا حينك وأوانك، قال قتادة: بشر أصحابه بأنه وجد عبدا، قال السدي: نادى رجلا اسمه بشرى، قال النحاس: قول قتادة أولى، لأنه لم يأت في القرآن تسمية أحد إلا يسيرا، قال القرطبي: وهذا أصح لأنه لو كان اسما علما لم يكن مضافا إلى ضمير المتكلم"..

١٨ - أسررت الأمر والحديث: أخفيته، وأسر إليه الحديث: ألقاه إليه سرا ولم يطلع عليه أحدا معه. وقوله: وأسروا الندامة..(٥٤) [يونس] أخفوها في صدورهم وفي سرائرهم وقوله في قصة يوسف: وأسروا بضاعة..(١٩) [يوسف] أخفوه، وقوله: تسرون إليهم بالمودة..(١) [الممتحنة] أي: يسرون إليهم أنباء المسلمين وأحوالهم بسبب المودة بينكم، وهو تبكيت وتوبيخ لمن يفعل ذلك، أو تخفون المودة لهم، أي: تجعلون مودتكم لهم سرا، وتخفونها عن المسلمين نفاقا وخداعا، [القاموس القويم ١/ ٣١٠]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير