قوله تعالى : وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه :
يحتج بها من يرى الحكم من العلماء بالأمارات والعلامات (١) فيما لا تحضره البينات كاللقطة (٢) واختلف في الوديعة والسرقة وشبههما هل تقبل فيها الصفة أم لا إذا جهل صاحبها ؟ ومن هذا النوع إرخاء الستر وشهادة الصبيان في الجراح وذلك دليل لا شهادة. ومن ذلك معاقد الحيطان والنظر إليها عند الاختلاف، ووضع الخشب في الحائط ونحو ذلك.
ومن ذلك أن يكون عقد الدين بيد المدين (٣) محوا فيكون القول قوله إنه أدى الدين. ومن ذلك دعوى المرأة الاستكراه وهي متعلقة بالمدعى عليه ومراعاة التعلق به (٤). ومن ذلك مسألة النائرة تقع بين القوم فيدعي بعضهم على بعض القتل (٥) أنه يصدق بسبب تقدم النائرة. ومن ذلك دفع شهادة الشهود العدول بنحو ذلك كالشاهدين على الهلال في الصحو قد اختلف في جواز شهادتهما، وقال سحنون فيهما شاهدا سوء. ومن اختلاف الرجل وزوجته في متاع البيت، وقول مالك أنه يحكم للرجل بما هو من لباسه وما كان للرجل والمرأة فهو للرجل (٦). قال إسماعيل القاضي : والعمل بمثل هذا غير مخالف لقوله عليه الصلاة والسلام : " البينة على المدعي واليمين على من أنكر " (٧) لأنه لم يرد بذلك الحديث إلا الموضع الذي تمكن فيه البينة. قال : فإن قال قائل إن تلك الشريعة لا تلزمنا. قلنا كل ما أنزله الله تعالى علينا فإنما أنزله لفائدة فيه ومنفعة لنا وقال تعالى : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده [ الأنعام : ٩٠ ] فآيات يوسف مقتدى بها، معمول عليها. وأنكر أبو الحسن العمل بالعلامات وقال : إنه اتفق على أنه لا يعمل، في غير الزوجين إذا تنازعا في شيء بمثل ما عمل فيها، قال : والأشبه في حديث يوسف أن ذلك كان آية من الله تعالى فليس في ذلك دلالة إلا من جهة خرق الله تعالى العادة في إنطاق الصبي في المهد. قال : وكان شريح وإياس يعملان على العلامات في الحكومات وأصل ذلك هذه الآية. ولعل ذلك فيما طريقه التهمة لا على سبيل بت الحكم، لكن إذا ظهر مثل هذا من العلامة على الدعوى أقر المدعى عليه فحكم عليه بالإقرار (٨). وقد اختلف في الشاهد، فقيل كان ابن عم (٩) المرأة التي هم بها يوسف (١٠). وقيل رجل من خاصة الملك (١١).
وقيل كان طفلا في المهد (١٢) ويضعف هذا أن في البخاري ومسلم أنه لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم وصاحب جريج وابن السوداء التي دعت له أن يكون كالفاجر الخبيث (١٣) وأسقط صاحب يوسف. وأسند الطبري إلى ابن عباس أنهم أربعة وزاد صاحب يوسف. وعنه أيضا أنهم خمسة وزاد فيهم ابن ماشطة فرعون (١٤). وذكر ابن فتحون (١٥) في استدراكه عن ابن عبد البر، مبارك اليمامة (١٦) وذكر أنه أوتي به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولد وقد لف في خرقة فقال من أنا ؟ فقال أنت رسول الله. فقال صدقت بارك الله فيك، فسمي مبارك اليمامة، فهم ستة. وقيل الشاهد القميص (١٧) وهو أضعف الأقوال.
٢ قال مالك في اللصوص: إذا وجدت معهم أمتعة فجاء قوم فادعوها وليست لهم بينة فإن السلطان يتلوم لهم في ذلك فإن لم يأت غيرهم دفعها إليهم. ذكر ذلك الكيا الهراسي في أحكام القرآن ٤/ ٢٣١. والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ٩/ ١٧٤. وهو خلاف قول أبي حنيفة والشافعي وأبي يوسف ومحمد. راجع أحكام القرآن للجصاص ٤/ ٣٨٥..
٣ في غير (ج)، (ح): "المطلوب"..
٤ "به" ساقط في غير (ج)، (ح)..
٥ "على بعض القتلى" ساقط في (أ)..
٦ راجع نحوه في أحكام القرآن للجصاص ٤/ ٣٨٦، ٣٨٧، وفي أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢٣١..
٧ الحديث أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الأحكام، باب: ما جاء في أن البينة على المدعي ٣/ ٦٢٥. وأحمد في مسنده ٤/ ٢١٧..
٨ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢٣١..
٩ "عم" ساقطة في (ب)، (ح)..
١٠ نسبه ابن عطية إلى السدي. راجع المحرر الوجيز ٩/ ٢٨٣..
١١ نسبه ابن عطية إلى ابن عباس ومجاهد وغيره. راجع م. س. ، ن. ص..
١٢ نسبه ابن عطية إلى ابن عباس والضحاك وأبي هريرة وابن جبير. راجع المحرر الوجيز ٩/ ٢٨٣..
١٣ الحديث: راجع صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب: تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة ٣/ ١٩٧..
١٤ راجع نحو ذلك في التفسير الكبير ١٨/ ١٢٣ وفي المحرر الوجيز ٩/ ١٨٣..
١٥ ابن فتحون: هو محمد بن خلف بن سليمان بن فتحون الأندلسي، أبو بكر. توفي سنة ٥٢٠ هـ/ ١١٢٦م. انظر الصلة لابن بشكوال ص ٥١٩..
١٦ مبارك اليمامة: هو مبارك بن سعيد اليمامي ثم البصري. روى عن يحيى بن أبي كثير. ثقة. انظر تهذيب التهذيب لابن حجر ١٠/ ٢٧..
١٧ نسبه ابن عطية إلى مجاهد. راجع المحرر الوجيز ٩/ ٢٨٣..
أحكام القرآن
ابن الفرس