ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ

ثم فسر لهما الرؤيا، فقال :
يا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ * وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ
قلت :( منهما ) : يتعلق بظن، والظن يحتمل أن يكون بمعنى اليقين ؛ لأن قوله :( قضي الأمر ) يقتضي ذلك، أو يبقى على بابه.
يقول الحق جل جلاله : قال يوسف : يا صاحِبَي السجن المستفتيان عن الرؤيا، أما أحدُكُما وهو الساقي، فيسْقي ربه خمراً كما كان يسقيه قبلُ، ويعود إلى ما كان عليه، وأما الآخرُ فيُصلبُ فتأكلُ الطير من رأسه ، فقالا : كَذَبْنا ما رأينا شيئاً، فقال : قُضِيَ الأمرُ الذي فيه تستفتيان ، سبق به القضاءُ في الأزل، وهو ما يؤول إليه أمركما، ولذلك وحده ولم يقل : قضي أمراكما. رُوي أنه لما دعاهما إلى التوحيد أسلم الساقي وأبى الخباز، فأخرج بعد ثلاث وصُلب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : النسيان والغفلة التي لا تثبت في القلب، والخواطر التي ترد وتذهب من أوصاف البشرية التي لا تنافي الخصوصية، إذ لا انفكاك للعبد عنها. قال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ [ الأعراف : ٢٠١ ] فالطيف لا ينجو منه أحد ؛ لأنه من جملة أوصاف العبودية التي بها تعرف كمالات الربوبية.
وقد قال تعالى في حق سيد العارفين : وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [ الأعراف : ٢٠٠ ] ؛ فالعصمة التي تجب للأنبياء إنما هي مما يوجب نقصاً أن غضاً من مرتبتهم. وهذه الأمور إنما توجب كمالاً ؛ لأنها بها يتحقق كمال العبودية التي هي شرف العبد. فافهم وسلم، ولا تنتقد، فإن هذه الأمور لا يفهمها إلا العارفون بالله، دون غيرهم من أهل العلم الظاهر.
وقال الورتجبي : إن يوسف عليه السلام لم يعلم وقت إيمان الملك، ولم يأت وقت دخوله في الإسلام، فأنساه الشيطان ذكر ربه، في سابق حكمه، على تقدير وقت إيمان الملك، فلبث في السجن إلى وقت إيمان الملك، فنسيان يوسف : احتجابه عن النظر إلى قدره السابق. هـ.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير