١٢- إذا جهلت منزلة العالم فوصف نفسه بما هو ملائم المسألة، وكان غرضه أن يقتبس منه وينتفع به في الدين، لم يكن ذلك من باب تزكية النفس المنهي عنها «١» : فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ [النجم ٥٣/ ٣٢].
الفصل السابع من قصة يوسف
- ١- تأويل يوسف رؤيا صاحبيه في السجن ووصيته للناجي منهما
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ٤١ الى ٤٢]
يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (٤١) وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)
المفردات اللغوية:
أَمَّا أَحَدُكُما أي الساقي فيخرج بعد ثلاث رَبَّهُ سيده خَمْراً يسقيه خمرا على عادته وَأَمَّا الْآخَرُ الخباز، فيخرج بعد ثلاث، فيصلب، فقالا: كذبنا وما رأينا شيئا، فقال:
قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ أي قطع الأمر الذي سألتما عنه، صدقتما أم كذبتما. والاستفتاء:
طلب الفتوى عن السؤال المشكل، والفتوى: جواب السؤال.
لِلَّذِي ظَنَّ أيقن أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا وهو الساقي اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ سيدك، فقل له: إن في السجن غلاما محبوسا ظلما فَأَنْساهُ أي الساقي ذِكْرَ يوسف فَلَبِثَ مكث يوسف فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ البضع: من الثلاث إلى التسع، قيل: إنه مكث سبعا في السجن.
المناسبة:
بعد أن قرر يوسف عليه السّلام مسألة التوحيد وعبادة الله والنبوة، عاد إلى الإجابة عن السؤال، وتعبير الرؤيا.
التفسير والبيان:
قال يوسف: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما وهو الساقي الذي رأى أنه يعصر خمرا- ولكنه لم يعينه في خطابه لئلا يحزن- فيسقي سيده خمرا كما كان في عادته. وقوله: رَبِّهِ لم يقصد ربوبية العبودية، فإن ملك مصر في زمن يوسف لم يدّع الألوهية كفرعون مصر أيام موسى عليه السّلام. روي أن يوسف قال له: ما أحسن ما رأيت، أما حسن العنبة فهو حسن حالك، وأما الأغصان:
فثلاثة أيام، يوجه إليك الملك عند انقضائهن، فيردك إلى عملك، فتصير كما كنت، بل أحسن «١». وهذا دليل على أنه كان بريئا من تهمة المشاركة في تسميم الملك.
وأما الآخر: وهو الخباز الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزا تأكل الطير منه: فيصلب، فتأكل الطيور الجوارح كالنسر والعقاب والصقر والحدأة والرخمة من رأسه. روي أن يوسف قال له: بئسما رأيت، السلال الثلاث ثلاثة أيام، يوجه إليك الملك عند انقضائهن، فيصلبك، وتأكل الطير من رأسك، وهذا يدل على أن الخباز هو الذي اتهم بتسميم الملك وثبتت عليه التهمة. لكن تفاصيل هذه الرواية والتي قبلها تعارض ظاهر الآية.
ثم نقل في التفسير: أنهما قالا: ما رأينا شيئا فقال: قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ أي لا تناقشا فإن الأمر قد نفذ، وسبق الحكم الذي تسألان عنه.
والاستفتاء لغة: السؤال عن المشكل، والفتوى: جوابه.
وهذا صحيح لأن يوسف أعلم الصاحبين أن هذا قد فرغ منه، وهو واقع لا محالة لأن الرؤيا على رجل طائر، ما لم تعبّر، فإذا عبرت وقعت.
روى الإمام أحمد عن معاوية بن حيدة عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت».
وجواب يوسف ليس مجرد تعبير رؤيا مبني على الظن والحسبان، وإنما اعتمد على الوحي من الله تعالى، والوحي يفيد القطع واليقين، لا الظن والتخمين.
ثم أخبر يوسف عليه السّلام خفية لمن ظن أي تيقن أنه ناج وهو الساقي، دون علم الآخر، لئلا يشعره أنه المصلوب، وقال له: اذكر قصتي عند سيدك وهو الملك، لعله يخرجني من السجن بعد أن علم براءتي، وهذا من قبيل الأخذ بالأسباب الظاهرية المطلوبة عادة وشرعا، للنجاة والإنقاذ.
فأنسى الشيطان ذلك الناجي تذكير الملك بقصة يوسف، وكان النسيان من جملة مكايد الشيطان، لئلا يخرج نبي الله يوسف من السجن، فيدعو إلى توحيد الله وعبادته، ومقاومة الشرك، ومطاردة وساوس الشيطان.
فلبث يوسف في السجن منسيا مظلوما بضع سنين أي من الثلاث إلى التسع، قيل: إنه مكث سبعا، قال وهب بن منبّه: مكث أيوب في البلاء سبعا، ويوسف في السجن سبعا، وعذب بختنصّر سبعا. وقال مقاتل: مكث يوسف في السجن خمسا وبضعا.
وقال ابن عباس: ثنتا عشرة سنة، وقال الضحاك: أربع عشرة سنة.
والرأي الأول أصح لأنه داخل في معنى البضع.
ومن المعلوم أن الاستعانة بالناس في دفع الظلم جائزة في الشريعة، إلا أن
الأولى بالصدّيقين ألا يلجأوا إلا إلى الله في رفع الأسباب، فهو مسبب الأسباب ورافعها.
روي أن جبريل جاء إلى يوسف، وهو في السجن، معاتبا له إذ استغاث بالآدميين، فقال له: يا يوسف من خلصك من القتل من أيدي إخوتك؟! قال: الله تعالى، قال: فمن أخرجك من الجبّ؟ قال: الله تعالى، قال: فمن عصمك من الفاحشة؟ قال: الله تعالى، قال: فمن صرف عنك كيد النساء؟
قال: الله تعالى، قال: فكيف تركت ربك، فلم تسأله، ووثقت بمخلوق؟! قال: يا ربّ، كلمة زلّت مني، أسألك يا إله إبراهيم وآله والشيخ يعقوب عليهم السلام أن ترحمني فقال له جبريل: فإن عقوبتك أن تلبث في السجن بضع سنين «١».
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيتان إلى ما يلي:
١- إن تعبير الرؤيا يعتمد على العلم والصلاح والتقوى، فلا يفيد ذلك من العالم إلا الظن، وأما يوسف عليه السّلام فكان تعبيره الرؤيا مقترنا بالوحي من ربه، فيفيد اليقين.
٢- من كذب في رؤياه، ففسرها العابر له أيلزمه حكمها؟ قال: العلماء:
لا يلزمه، وإنما كان ذلك في يوسف لأنه نبي، وتعبير النبي حكم، فأوجد الله تعالى ما أخبر به الرائي كما قال، تحقيقا لنبوته.
٣- الاستعانة بغير الله في دفع الظلم جائزة في الشريعة، لا إنكار عليه،
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي