ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ

وهكذا رجع يوسف عليه السلام إلى مطلب السجينين، وفسر رؤيا من يسقي الخمر بأنه سيخرج من السجن ويعود ليسقي سيده، وأما الآخر فلسوف يصلب وتأكل الطير من رأسه، لأن رمزية الرؤيا تقول : إن الطير سيأكل من رأسه ؛ وهذا يعني أن رأسه ستكون طعاما للطير.
وتأويل الرؤيا علم يقذفه الله في قلوب من علمهم تأويل الأحاديث، وهي قدرة على فك شفرة الحلم، ويعطيها الله لمن يشاء من عباده.
وقد قال يوسف لمن قال : إني أراني أعصر خمرا.. ( ٣٦ ) [ يوسف ]
أنه سوف ينال العفو حسب ما أظهرته الرؤيا التي قالها، وأما الآخر فسيأكل من رأسه الطير. أي : سيصلب كما أوحت بذلك رموز الرؤيا.
ونلحظ أن يوسف عليه السلام قد انشغل بالحكم الذي أوضحته الرؤييان عن الاثنين صاحبي الرؤييين.
وهذا دليل على أن القاضي يجب أن يكون ذهنه منصبا على الحكم ؛ لا على المحكوم عليه، فقد سمع يوسف منهما ؛ وهو لا يعرف من سينال البراءة، ومن الذي سوف يعاقب.
فنزع يوسف ذاته من الأمر، ولم يسمح لنفسه بدخول الهوى إلى قلبه ؛ لأن الهوى يلون الحكم، ولا أحد بقادر على أن يسيطر على عاطفته، ولا بد للقاضي لحظة أن يصدر حكما أن يتجرد تماما من الهوى والذاتيات.
ويعلمنا الحق سبحانه ذلك حين أنزل لنا في قرآنه قصة سيدنا داود عليه السلام :
وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا١ المحراب ( ٢١ ) إذ دخلوا على داوود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط٢ واهدنا إلى سواء الصراط ( ٢٢ ) إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها٣ وعزني في الخطاب ( ٢٣ ) قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر٤ راكعا وأناب ( ٢٤ ) [ ص ]
وكان من ذكر عدد نعاج أخيه أنه إنما أراد أن يستميل داود عليه السلام لصفه ؛ وكان يريد أن يصور الظلم الذي وقع عليه، وحكم داود بأن من أخذ النعجة ليضمها لنعاجه هو الذي ظلم ؛ وشعر داود أنه لم يوفق في الحكم ؛ لأنه ذكر في حيثية الحكم نعاج الذي أراد أن يأخذ نعجة أخيه.
فالأخذ وحده كان هو المبرر عند داود لإدانة الذي أراد الاستيلاء على ما ليس من حقه ؛ ولذلك اعتبر أنه هذا الأمر كله فتنة لم يوفق فيها، واستغفر الله بالركوع والتوبة.
وقد كان يوسف عليه السلام حكيما حين قال تأويل الرؤيا متجردا من الذاتية، وأنهى التأويل بالقول.
قضي الأمر الذي فيه تستقيان ( ٤١ ) [ يوسف ]
أي : أنه لا مجال للرجوع أو العدول عن حدوث ذلك الذي وصل إليه من تأويل ؛ فقد جاء التأويل وفقا لما علمه الله له.
وهناك الكثير من الروايات عما تحمله يوسف من صعاب قبل الجب وقبل السجن، وقيل : إن عمته ابنة إسحاق، وهي أكبر أولاده ؛ قد استقبلته بعد أن ماتت أمه لترعاه فتعلقت به ؛ ولم تحب أحدا قدر محبتها له.
وتاقت نفس يعقوب إلى ولده ؛ فذهب إليها وقال لها : سلمي إلى يوسف، لكنها قالت : والله ما أقدر أن يغيب عني ساعة، ولن أتركه.
فلما خرج يعقوب عليه السلام من عندها، عمدت إلى شيء٥ من ميراث إبراهيم عليه السلام يتوارثه أكبر الأبناء، ووضعته تحت ملابس يوسف.
وكان العرف الجاري أنه إذا سرق أحد شيئا وتم ضبطه ؛ تحول من حر إلى عبد، وحين كاد يعقوب أن يخرج مع ابنه يوسف عائدا إلى بيته ؛ أعلنت العمة فقدان الشيء الذي أعطاه لها والدها إسحاق ؛ وفتشوا يوسف فوجدوا الشيء المفقود.
فقالت عمته : والله إنه لسلم –أي عبد- وكان العرف أن من يسرق شيئا يتحول إلى عبد عند صاحب الشيء.
وهكذا بقي يوسف مع عمته محروما من أبيه لفترة، ولم يستطع الأب استرداده إلا بعد أن ماتت العمة.
ثم جاءت حادثة الجب، ومن بعدها محاولة امرأة العزيز لغوايته، ورغم تيقن العزيز من براءته إلا أنه أودع السجن ؛ ويقول الرواة :
" إن يوسف عليه السلام قد عرف في السجن بالجود، والأمانة، وصدق الحديث، وحسن السمت٦، وكثرة العبادة، ومعرفة التعبير –أي تأويل الرؤيا- والإحسان إلى أهل السجن.
ولما دخل هذان الفتيان معه السجن ؛ تآلفا به وأحباه حبا شديدا وقالا له : والله لقد أحببناك حبا زائدا، قال : بارك الله فيكما ؛ إنه ما من أحد أحبني إلا دخل علي من محبته ضرر، أحبتني عمتي فدخل الضرر بسببها، وأحبني أبي فأوذيت بسببه، وأحبتني امرأة العزيز فكذلك.
أي : أنه دخل السجن وصار معهما دون ذنب جناه.
قال السجينان : إنا لا نستطيع غير ذلك " ٧.
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك ما قاله يوسف لمن ظن أنه سينجو من السجن :
وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك٨ فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين ( ٤٢ )

١ - تسور السور: تسلقه وعلاه، قال تعالى: وهل أتاك الخصم إذ تسوروا المحراب (٢١) [ص] [القاموس القويم ١/ ٣٣٥]..
٢ - الشطط: الجور وتجاوز الحد في كل شيء، قال تعالى: لقد قلنا إذ شططا (١٤) [الكهف] أي: قولا جائرا مجاوزا للحد [القاموس القويم ١/ ٣٤٩].
٣ - أكفلنيها: أي اجعلني كافلا لها راعيا شئونها مالكا لها، عزني في الخطاب: غلبني وقهرني [القاموس القويم ٢/ ١٨، ١٦٧]..
٤ - خر راكعا: أسرع إلى الركوع والخضوع لله كأنه سقط من علو. [القاموس القويم١/ ١٩٠]..
٥ - هذا الشيء هو منطقة إسحاق فيما ذكره ابن كثير في تفسيره [٢/ ٤٨٦] والمنطقة: هي كل ما شد به الإنسان على وسطه، وقد انتطق: أي شد النطاق على وسطه، [لسان العرب-مادة: نطق]..
٦ - السمت: حسن القصد والمذهب في أمور الدين والدنيا، قال خالد بن جنبة: السمت اتباع الحق والهدى وحسن الجوار وقلة الأذية [لسان العرب- مادة: سمت]..
٧ - قال القرطبي في تفسيره [٤/ ٣٥١١ٍ] أن صاحب السجن أحب يوسف، فوسع عليه فيه، ثم قال: يا يوسف لقد أحببتك حبا لم أحب شيئا حبك، فقال: أعوذ بالله من حبك، قال: ولم ذلك؟ فقال: أحبني أبي ففعل بي إخوتي ما فعلوه، وأحبتني سيدتي فنزل بي ما ترى"..
٨ - الرب": يطلق على المالك وعلى السيد وعلى الصاحب وعلى راعي الأسرة ورئيسهما [القاموس القويم ١/ ٢٥١] بتصرف..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير