نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٤٣:هذه الرؤيا من مَلك مصر مما قَدّر الله تعالى أنها كانت سببا لخروج يوسفَ، عليه السلام، من السجن مُعزَّزًا مكرما، وذلك أن المَلك رأى هذه الرؤيا، فهالته وتَعجَّب من أمرها، وما يكون تفسيرها، فجمع الكهنة والحُزَاة وكبراء دولته وأمراءه وقَصَّ عليهم ما رأى، وسألهم عن تأويلها، فلم يعرفوا ذلك، واعتذروا إليه بأن هذه أَضْغَاثُ أَحْلامٍ أي : أخلاط اقتضت رؤياك هذه١ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعَالِمِينَ أي : ولو كانت رؤيا صحيحة من أخلاط، لما كان لنا معرفة بتأويلها، وهو تعبيرها. فعند ذلك تَذَكَّرَ ذلك الذي نجا من ذينك الفتيين اللذين٢ كانا في السجن مع يوسف، وكان الشيطان قد أنساه ما وصّاه به يوسف، من ذكر أمره للملك، فعند ذلك تذكر بَعْدَ أُمَّةٍ أي : مدة - وقرأ بعضهم :" بعد أَمِةٍ " أي : بعد نسيان، فقال للملك والذين جمعهم لذلك : أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ أي : بتأويل هذا المنام، فَأَرْسِلُونِ أي : فابعثون إلى يوسف الصديق إلى السجن. ومعنى الكلام : فبعثوا٣ فجاء. فقال : يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا وذكر المنام الذي رآه الملك، فعند ذلك ذكر له يوسف، عليه السلام، تعبيرها من غير تعنيف لذلك الفتى في نسيانه ما وصاه به، ومن غير اشتراط للخروج قبل ذلك، بل قال : تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا أي٤ يأتيكم الخصب والمطر سبع سنين متواليات، ففسر البقر بالسنين ؛ لأنها تثير الأرض التي تُسْتغل منها الثمرات والزروع، وهن السنبلات الخضر، ثم أرشدهم إلى ما يعتمدونه في تلك السنين فقال : فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلا قَلِيلا مِمَّا تَأْكُلُونَ أي : مهما استغللتم٥ في هذه السبع السنين الخصب فاخزنوه في سنبله، ليكون أبقى له وأبعد عن إسراع الفساد إليه، إلا المقدار الذي تأكلونه، وليكن قليلا قليلا لا تسرفوا فيه، لتنتفعوا في السبع الشداد، وهن السبع السنين المُحْل التي تعقب هذه السبع متواليات، وهن البقرات العجاف اللاتي يأكلن السِّمان ؛ لأن سني٦ الجَدْب يؤكل فيها ما جَمَعَوه في سني٧ الخصب، وهن السنبلات اليابسات.
وأخبرهم أنهن لا ينبتن شيئا، وما بذروه فلا يرجعون منه إلى شيء ؛ ولهذا قال : يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلا قَلِيلا مِمَّا تُحْصِنُونَ
ثم بشرهم بعد الجَدْب العام المتوالي بأنه يعقبهم بعد ذلك عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ أي : يأتيهم الغيث، وهو المَطرُ، وتُغل البلاد، ويَعصرُ الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم، من زيت ونحوه، وسكر ونحوه حتى قال بعضهم : يدخل٨ فيه حلب اللبن أيضًا.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس وَفِيهِ يَعْصِرُونَ يحلبون.
٢ - في ت :"الذي"..
٣ - في ت :"فبعثوه"..
٤ - في ت :"إذ"..
٥ - في ت، أ :"استغليتم"..
٦ - في ت، أ :"سنين"..
٧ - في ت، أ :"سنين"..
٨ - في ت، أ :"ويدخل"..
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة