لم يكن على ما عبرت. ألا ترى أن الملك لما اقتص رؤياه على الملأ قالوا: أضغاث أحلام، فلم يكن على ما قالوا، ففسرها يوسف بعدهم، فأبان الصواب فيها، وشوهد تأويلها بتفسيره.
٥٠ - قوله تعالى: وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ الآية، قال المفسرون (١): لما رجع الذي أرسل إلى يوسف للاستفتاء عن تأويل الرؤيا إلى الملك وأخبره بما أفتاه به، عرف الملك أن ذلك التأويل صحيح، وأن الذي قاله كائن فقال: ائتوني بالذي عبر رؤياي هذه، فجاء الرسول يوسف وقال له: أجب الملك، فأبى أن يخرج مع الرسول حتى يتبين براءته مما قذف به، وقال للرسول: ارجع إلى ربك يعني الملك فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي أي ما حالتهن (٢) وشأنهن، والبال: الحال والشأن، ومنه قوله تعالى: وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ [محمد: ٢] وقال أبو عبيد (٣):
فبِتْنا على ما خَيّلتْ نَاعِمِي بَالِ
ومعنى الآية فأسأل الملك أن يتعرف ويسأل ما شأن تلك النسوة وحالهن ليعلم صحة براءتي.
(٢) في (ج): (ماحالهن).
(٣) في "التهذيب" (بال) ١/ ٢٦٣ قال: قال عبيد وذكر البيت، وانظر: "اللسان" (بول) ١/ ٣٩٠ من غير نسبه. والبيت لعدي بن زيد، وصدره:
فليت رفعت الهم عني ساعة
انظر: "ديوانه" ص ١٦٢، و"الإيضاح" / ١٠٦، و"نوادر أبي زيد" / ٢٥ وبلا نسبة في "شواهد التوضيح" ص١٤٨ و"الدر" ١/ ١١٤، ١٢٣، و"الهمع" ٢/ ١٦٣، والسيوطي ص ٢٣٨، و"الإنصاف" ص١٥٧، و"أمالي ابن الشجري" ١/ ١٨٣، ٢٩٥.
قال أبو إسحاق (١): أي سله أن يستعلم صحة براءتي مما قذفت به، فمعنى ردِّه الرسول هو أن يتبين براءته وأنه حبس بظلم من غير اقتراف ذنب، كما قال قتادة (٢): طلب العُذر، وعلى هذا يكون في الآية محذوف على تقدير: فسله أن يسأل أو يتعرف ما بال النسوة، ولكن لما كان قوله: (ما بال النسوة) يتضمن معنى السؤال والاستعلام والتعرف حذف ذلك.
قال عامة المفسرين (٣): إن يوسف عليه السلام أشفق من أن يراه الملك بعين مشكوك في أمره، مقروف بفاحشة، فأحب أن يراه بعد أن زال عن قلبه ما كان خامره من الباطل. وقد استحسن النبي - ﷺ - حزم يوسف وصبره حين دعاه الملك فلم يبادر حتى يعلم أنه قد استقر عند الملك صحة براءته فقال النبي - ﷺ -: "رحم الله يوسف، لقد كان ذا أناة ولو كنت أنا المحبوس ثم جاءني الرسول لخرجت (٤) مسرعًا" (٥).
(٢) الطبري ١٢/ ٢٣٦.
(٣) الطبري ١٢/ ٢٣٤٠، الثعلبي ٧/ ٨٧ ب، البغوي ٤/ ٢٤٨، ابن عطية ٧/ ٥٣٢، "زاد المسير" ٤/ ٢٣٦، القرطبي ٩/ ٢٠٧.
(٤) في (ج): (لخرجت إليه) بزيادة إليه.
(٥) أخرجه البخاري (٣٣٨٧) كتاب أحاديث الأنبياء باب قوله تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ بلفظ: "ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم أتاني الداعي لأجبته" ومسلم بنحوه (١٥١) كتاب الإيمان، باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة.
وأخرجه الترمذي (٣١١٦)، كتاب تفسير القرآن، باب من سورة يوسف بلفظ "إن الكريم ابن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، قال: ولو لبثت في السجن ما لبث ثم جاءني الرسول أجبتُ.. الحديث".
وأخرجه ابن جرير ١٢/ ٢٣٥ من طريق ابن إسحاق عن رجل عن أبي الزناد =
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي