الْآيَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إنْ الْحُكْمُ إلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ :
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي أَمْرِهِ لَهُمْ بِالتَّفَرُّقِ : وَفِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ ؛ أَظْهَرُهَا أَنَّهُ تُقَاة الْعَيْنِ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُوَحِّدِينَ أَنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ، وَهُوَ مِنْ أَفْعَالِ اللَّهِ مَوْجُودٌ، وَعِنْدَ جَمِيعِ الْمُتَشَرِّعِينَ مَعْلُومٌ، وَالْبَارِئُ تَعَالَى هُوَ الْفَاعِلُ الْخَالِقُ، لَا فَاعِلَ بِالْحَقِيقَةِ وَلَا خَالِقَ إلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ . فَلَيْسَ فِي الْوُجُودِ شَيْءٌ مِنْ الْفَلَكِ إلَى الذَّرَّةِ، وَلَا مِنْ دَوَرَانِهِ إلَى حَرَكَةٍ وَاحِدَةٍ إلَّا وَهِيَ مَوْجُودَةٌ بِقُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ، وَمُصَرَّفَةٌ بِقَضَائِهِ وَحُكْمِهِ، فَكُلُّ مَا تَرَى بِعَيْنِك أَوْ تَتَوَهَّمُهُ بِقَلْبِك فَهُوَ صُنْعُ اللَّهِ وَخَلْقُهُ، إذَا أَرَادَ شَيْئًا قَالَ لَهُ : كُنْ فَيَكُونُ. وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَ الْكُلَّ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ، وَلَكِنَّهُ سَبَّبَ الْأَسْبَابَ، وَرَكَّبَ الْمَخْلُوقَاتِ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ؛ فَالْجَاهِلُ إذَا رَأَى مَوْجُودًا بَعْدَ مَوْجُودٍ، أَوْ مَوْجُودًا مُرْتَبِطًا فِي الْعِيَانِ بِمَوْجُودٍ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ إلَى الرَّابِطَةِ مَنْسُوبٌ، وَعَلَيْهَا فِي الْفِعْلِ مَحْسُوبٌ، وَحَاشَ لِلَّهِ، بَلْ الْكُلُّ لَهُ، وَالتَّدْبِيرُ تَدْبِيرُهُ، وَالِارْتِبَاطُ تَقْدِيرُهُ، وَالْأَمْرُ كُلُّهُ لَهُ. وَمِنْ أَبْدَعِ مَا خَلَقَ النَّفْسُ ؛ رَكَّبَهَا فِي الْجِسْمِ، وَجَعَلَهَا مَعْلُومَةً لِلْعَبْدِ ضَرُورَةً، مَجْهُولَةَ الْكَيْفِيَّةِ، إنْ جَاءَ يُنْكِرُهَا لَمْ يَقْدِرْ بِمَا يَظْهَرُ مِنْ تَأْثِيرِهَا عَلَى الْبَدَنِ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَإِنْ أَرَادَ الْمَعْرِفَةَ بِهَا لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَنْسُبُهَا، وَلَا عَلَى أَيْ مَعْنًى يَقِيسُهَا، وَضَعَهَا اللَّهُ الْمُدَبِّرُ فِي الْبَدَنِ عَلَى هَذَا الْوَضْعِ لِيُمَيِّزَ الْإِيمَانَ بِهِ ؛ إذْ يُعْلَمُ بِأَفْعَالِهِ ضَرُورَةً، وَلَا يُوصَلُ إلَى كَيْفِيَّتِهِ لِعَدَمِهَا فِيهِ، وَاسْتِحَالَتِهَا عَلَيْهِ ؛ وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ.
وَلَهَا آثَارٌ يَخْلُقُهَا الْبَارِي فِي الشَّيْءِ عِنْدَ تَعَلُّقِهَا بِهِ، مِنْهَا الْعَيْنُ وَهُوَ مَعْنًى يَحْدُثُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلَى جَرْيِ الْعَادَةِ فِي الْمُعَيَّنِ، إذَا أَعْجَبَتْ مَنْظَرَتُهُ الْعَائِنَ فَيَلْفِظُ بِهِ، إمَّا إلَى عُرُوِّ أَلَمٍ فِي الْمُعَيَّنِ، وَإِمَّا إلَى الْفَنَاءِ، بِحَسَبِ مَا يُقَدِّرُهُ اللَّهُ تَعَالَى ؛ وَلِهَذَا الْمَعْنَى نُهِيَ الْعَائِنُ عَنْ التَّلَفُّظِ بِالْإِعْجَابِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ لَمْ يَضُرَّ اعْتِقَادُهُ عَادَةً، وَكَمَا أَنَفَذَ الْبَارِي مِنْ حُكْمِهِ أَنْ يَخْلُقَ فِي بَدَنِ الْمُعَيَّنِ أَلَمًا أَوْ فِنَاءً، فَكَذَلِكَ سَبَقَ مِنْ حِكْمَتِهِ أَنَّ الْعَائِنَ إذَا بَرَّكَ أَسْقَطَ قَوْلُهُ بِالْبَرَكَةِ قَوْلَهُ بِالْإِعْجَابِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ سَقَطَ حُكْمُهُ بِالِاغْتِسَالِ.
وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَى ذَلِكَ الْأَطِبَّاءُ، وَاعْتَقَدُوهُ مِنْ أَكَاذِيبِ النَّقَلَةِ، وَهُمْ مَحْجُوجُونَ بِمَا سَطَّرُوا فِي كُتُبِهِمْ مِنْ أَنَّ الْكَوْنَ وَالْفَسَادَ يَجْرِي عَلَى حُكْمِ الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعِ، فَإِذَا شَذَّ شَيْءٌ قَالُوا : هَذِهِ خَاصَّةٌ خَرَجَتْ مِنْ مَجْرَى الطَّبِيعَةِ لَا يُعْرَفُ لَهَا سَبَبٌ، وَجَمَعُوا مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً ؛ فَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ الرُّوَاةُ عَنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ خَوَاصُّ شَرْعِيَّةٌ بِحِكَمٍ إلَهِيَّةٍ، يَشْهَدُ لِصِدْقِهَا وُجُودُهَا كَمَا وُصِفَتْ ؛ فَإِنَّا نَرَى الْعَائِنَ إذَا بَرَّكَ امْتَنَعَ ضَرَرُهُ، وَإِنْ اغْتَسَلَ شُفِيَ مَعِينُهُ، وَهَذَا بَالِغٌ فِي فَنِّهِ، فَلْيُنْظَرْ عَلَى التَّمَامِ فِي مَوَاضِعِهِ مِنْ كُتُبِ الْأُصُولِ وَشَرْحِ الْحَدِيثِ ؛ وَهَذِهِ النُّبْذَةُ تَكْفِي فِي هَذِهِ الْعَارِضَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا
قَالُوا : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَمَلَهُمْ عَلَى التَّفَرُّقِ مَخَافَةَ الْعَيْنِ، ثُمَّ قَالَ : وَهَذَا لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ، إنَّمَا هُوَ أَمْرٌ تَأْنَسُ بِهِ النُّفُوسُ، وَتَتَعَلَّقُ بِهِ الْقُلُوبُ ؛ إذْ خُلِقَتْ مُلَاحِظَةً لِلْأَسْبَابِ. وَيَفْتَرِقُ اعْتِقَادُ الْخَلْقِ ؛ فَمَنْ لَحَظَ الْأَسْبَابَ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا أَسْبَابٌ فِي الْعَادَةِ لَا تَفْعَلُ شَيْئًا، وَإِنَّمَا هِيَ عَلَامَاتٌ ؛ فَهُوَ الْمُوَحِّدُ، وَمَنْ نَسَبَهُ إلَيْهَا فِعْلًا وَاعْتَقَدَهَا مُدَبَّرَةً فَهُوَ الْجَاهِلُ أَوْ الْمُلْحِدُ.
أحكام القرآن
ابن العربي