يعقوب: الله على ما نقول جميعا وكيل، أي شهيد رقيب، حفيظ مطّلع، وأفوض أمري إليه.
ويلاحظ أن يعقوب عليه السلام قد توثق في هذه القصة، وأشهد الله تعالى، ووصّى بنيه، وأخبر بعد ذلك بتوكّله على الله، ولكنه توكّل مقترن بالأسباب واتّخاذ الاحتياط والقيام بالواجب والسعي الداخل في حدود القدرة البشرية، وتلك هي غاية التوكّل الصحيحة، ومردّ الأمر في النهاية بعد السّعي إلى الله فاعل الأشياء ومحقّق النتائج بحكمة وإرادة وعدل.
وصيّة يعقوب لأولاده عند الدخول على حاكم مصر
تظلّ وصايا الأنبياء وسيرتهم نبراسا للقدوة الحسنة والسيرة العملية في حياة الإنسان، لأنهم لا يفعلون شيئا إلا بوحي أو إلهام من الله تعالى، ولا يكون توجيههم وتبليغهم دعوة الله وشرعه إلا لخير الإنسان وإسعاده، وتحقيق أكبر نفع أو مصلحة له، ولو على المدى البعيد، فلا يكون النفع آنيا، كما أن في هذا التوجيه النّبوي حماية للإنسان من ألوان المكاره والسوء، وتجنّب الوقوع في المهاوي والعثرات والمزالق، وهذا لون مرغوب من الوصايا، وهو وصية يعقوب لأولاده، وهي الدخول من أبواب متفرقة، ليروا مدى العناية والاستقبال لكل واحد منهم من حاكم مصر، أو لئلا يحسدهم الحسّاد، وترمقهم الأعين معجبين بالعدد الكثير من الإخوة والرجال. قال الله تعالى مخبرا عن هذه الوصية:
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ٦٧ الى ٦٨]
وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦٨)
[يوسف: ١٢/ ٦٧- ٦٨].
روي أن أولاد يعقوب، لما ودّعوا أباهم، قال لهم: «بلّغوا ملك مصر سلامي، وقولوا: إن أبانا يصلّي عليك، ويدعو لك، ويشكر صنيعك معنا». والصلاة معناها هنا الدعاء بالرّفعة والمنزلة العالية وبالمغفرة والفضل الإلهي.
وقال يعقوب لأولاده: يا بنيّ لا تدخلوا مصر من باب واحد، وادخلوا من أبواب متفرقة لأنهم كانوا أهل جمال وكمال، لئلا تصيبهم العين، والعين قد تكون سببا في المهالك.
أخرج الإمام أحمد بسند صحيح: «العين حقّ»
أي شيء ذو أثر موجود عند الناس،
وفي خبر آخر: «إن العين لتدخل الرجل القبر، والجمل القدر» «١».
والعين لا تضرّ إذا برّك العائن، فيقول: تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه. وإذا أصاب العائن ولم يبرك، يؤمر بالاغتسال، ويجبر على ذلك إن أباه.
وتابع يعقوب وصيته ومفادها: وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ.. الآية، أي وما أدفع عنكم بوصيتي وتدبيري من قضاء الله شيئا لأنه لا يغني حذر من قدر، وإن كنا مأمورين باتّخاذ وسائل الحيطة والحذر، لقوله تعالى: وَخُذُوا حِذْرَكُمْ [النّساء: ٤/ ١٠٢] أخذا بالأسباب العادية الظاهرية، وليس دفعا للقدر، وتحدّيا للقضاء.
ويظل إنفاذ الحكم وتدبير الأمر لله وحده، لذا قرن يعقوب كلامه السابق: بأن الحكم لله وحده، وعليه وحده توكّلت، وبه وثقت، وعليه تعالى فليتوكل المتوكلون، دون أن يعتمدوا في تحقيق النتائج على أنفسهم وأمثالهم من البشر ذوي الإمكانات المحدودة والقدرات البسيطة أمام قدرة الله الفائقة.
ولما دخل أولاد يعقوب مصر التي كان لها أبواب أربعة، من حيث أمرهم أبوهم، من أبواب متفرقة، ما كان توجيه يعقوب على هذا النحو يفيدهم شيئا قطّ، إذا أصيبوا بسوء، ولا يردّ عنهم قدرا لأنه لو قضي أن تصيبهم عين، لأصابتهم مفترقين أو مجتمعين. وإنما طمع يعقوب أن تصادف وصيته ورجاؤه قدر السلامة، فوصّى، وأن يظهر شيئا في نفسه، وهي شفقته عليهم، وتلك رغبة أو حاجة ذاتية في نفس يعقوب أراد إظهارها.
ثم أثنى الله عزّ وجلّ على يعقوب بأنه لقّن ما علّمه الله من هذا المعنى، وهو يعلم بأن الحذر لا يمنع من القدر لتعليم الله إياه بالوحي، ولكن أكثر الناس وهم المشركون والكفار لا يعلمون ذلك، أي لا يعلمون مثل ما علم يعقوب عليه السّلام، ولا يدركون كيف أرشد الله أولياءه إلى العلوم التي تنفعهم في الدنيا والآخرة، ومن تلك العلوم: الأخذ بالأسباب الظاهرة، وتفويض الأمر لله تعالى.
والخلاصة: نحن البشر مأمورون باتخاذ الاحتياطات والأسباب الظاهرية، ونفوّض الأمر في تحقيق النتائج إلى الله تعالى، مع ثقتنا التامّة بعدله وفضله ورحمته وإحسانه، ومع توكلنا عليه سبحانه في إنجاز الأمور وتفويض المشيئة لله تعالى.
لقاء الأخوين يوسف وبنيامين
لم يطلب يوسف عليه السّلام الإتيان بأخيه بنيامين إلا لإبقائه عنده، تمهيدا لجمع الشّمل ولمّ الأسرة، والعيش مع الشيخ الكبير يعقوب عليه السّلام الذي اعتصر الأسى قلبه بفقد يوسف، ثم تلاه بنيامين. وتمت الخطة بكيد يسّره الله ليوسف عليه السّلام، واستسهل الأمر على ما فيه من رمي أبرياء بالسرقة، وإدخال الهمّ على
التفسير الوسيط
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي