قوله تعالى : ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم :
في هذه الآية – على ما ذهب إليه جماعة من العلماء – جعل وكفالة ١. والآية تدل على جوازهما. فأما الجعل فقد اختلف في جوازه. وهو أن يجعل الرجل للرجل جعلا على عمل يعمله له إن أكمل العمل. فأجازه مالك وأصحابه ولم يجزه أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه ٢ والأصل في جوازه قوله تعالى : ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم وهذا جعل محض وإذا قلنا بجوازه فهل ذلك فيما ٣ للجاعل فيه منفعة خاصة أو فيما كان له فيه منفعة أو لم يكن ؟ فيه قولان في المذهب. والأصل في اشتراط المنفعة الآية لأنها إنما جاءت فيما كان ٤ فيه منفعة وهو رد الصواع. وإذا اشترطنا المنفعة فهل من شرطها أن لا يحصل منها شيء إلا بتمام المجعول فيه أم لا ؟ فالمشهور أن ذلك من شرطها وإلا لم يجز. فقد يتخرج ٥ في المذهب قول آخر بإسقاط ذلك الشرط. والأصل في القول الأول الآية لأن الجعل فيها إنما جاء فيما لا منفعة فيه إلا بتمامه. واختلف في ضرب الأجل في الجعل ٦ هل يجوز أم لا ؟ فالمشهور أنه لا يجوز. وقدم الجواز من قول ابن القاسم على ما تأول ابن أبي زيد ٧ والأصل في اطراح الأجل الآية لأنه تعالى قال : ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم فسمى الجعل ولم يقدر المدة.
وأما الكفالة فمنها كفالة بمال، وكفالة بنفس. فأما الكفالة بالمال فلا اختلاف في جوازها وإنما اختلف في بعض شروطها. والأصل في جواز ذلك قوله تعالى : وأنا به زعيم أي كفيل. يعني بما ذكره من حمل بعير. وأما الكفالة بالنفس ففيها ثلاثة أقوال :
أحدها : إجازتها في المال والحدود والقصاص. وهو قول عثمان البتي ٨.
والثاني : أن الكفالة بالنفس لا تجوز في شيء من ذلك وإلى نحو هذا ذهب الشافعي.
والثالث : أنها تجوز في المال ولا تجوز في الحدود وهو قول مالك وأصحابه. والأصل في الكفالة بالنفس قوله تعالى في هذه السورة : لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم [ يوسف : ٦٦ ] فهذه كفالة بالنفس. وفيها عندي حجة لمن يجيز الكفالة بالنفس في غير المال لأن هذه الآية لم يتعرض فيها لذكر المال، إلا أن الأدلة التي نازع بها من لم يجز الكفالة بالنفس في غير المال أصح وأظهر، وليس هذا الكتاب بموضع بسطها ٩.
وقال أبو الحسن : ظن ظانون أن قوله : وأنا به زعيم كفالة، وليس ذلك كفالة إنسان عن إنسان وإنما كفل بذلك عن نفسه وضمنه نعم هو جعالة ١٠.
٢ قال الجصاص: ظن بعض الناس أن ذلك كفالة عن إنسان وليس كذلك لأن قائل ذلك جعل حمل بعير أجرة لمن جاء بالصاع وأكده بقوله: أنا به زعيم، يعني ظامن. قال الشاعر:
وإنـــي زعــيــم إن رجعـــــت مسلما بسيــري بــري مــنــه الــفــرانـــق أرورى
راجع أحكام القرآن للجصاص ٤/ ٣٩٠..
٣ في (أ)، (ز): "مما"..
٤ في غير (أ)، (ز): "يكون"..
٥ في (أ): "يحرج"..
٦ في (أ): "في الفعل"..
٧ ابن أبي زيد: هو عبد الله بن عبد الرحمن أبي زيد (النفزاوي) القيرواني، أبو محمد. فقيه. آلت إليه رئاسة المذهب المالكي في عصره. من مصنفاته: "مختصر المدونة" وغيره. توفي سنة ٣٨٠هـ/ ٩٢٦م. انظر شجرة النور الزكية لمحمد مخلوف ١/ ٩٦..
٨ عثمان البتي: هو أبو عمرو عثمان بن سليمان بن جرموز البتي. توفي سنة ١٤٣هـ/ ٧٦٥م. انظر طبقات ابن سعد ٧/ ٢٥٧، طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٩١..
٩ راجع الجامع لأحكام القرآن ٩/ ٢٣٢ – ٢٣٤..
١٠ راجع القول في أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢٣٣..
أحكام القرآن
ابن الفرس