ارجعوا إلى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ ياأبانا إِنَّ ابنك بنيامين " سَرَقَ ".
قرأ العامة :" سَرَقَ " مبنيًّا للفاعل مخففاً، وابن عباس، وأبو رزين، والضحاك، والكسائي في رواية " سُرِّقَ " بضمِّ السِّين، كسر الرَّاء مشدداً مبنيًّا للمفعول يعني : نسب إلى السَّرقة، كما يقال : خَوَّنته، أي : نسبته إلى الخِيانةِ، قال الزجاج :" سُرِّقَ " يحتمل معنيين :
أحدهما : علم منه السرقة، والآخر : اتهم بالسَّرقة.
قال الجوهريُّ :" والسَّرِق والسَّرِقة بكسر الراء فيهما هو اسم الشيء المسروق، والمصدر : سَرَق، يَسْرِق، سَرَقاً بالفتح ".
وقرأ الضحاك :" سَارِق " جعله اسم فاعل.
وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا فإنَّا رأينا أخراج صاع من متاعه. وقيل : معناه وَمَا شَهِدْنَآ أي : ما كانت منَّا شهادة في عمرنا على الشَّيء إلاَّ بما علمنا، وليست هذه الشَّهادة منَّا، إنَّما هو خبرٌ عن صنيعِ ابنكَ بزعمهم.
فإن قيل : كيف حكموا عليه بأنَّه سرق من غير بينة، لا سيَّما وقد أجابهم بالنَّفي فقال : الذي جعل الصَّواع في رحلي، وهو الذي جعل البضاعة في رحالكم ؟ فالجواب من وجوهٍ :
أحدها : أنهم شاهدوا أنَّ الصواع كان موضوعاً في [ محلٍّ ] لم يدخله غيرهم، فلمَّا شاهدوا إخراج الصواع من رحله ؛ غالب على ظنهم أنَّه هو الذي أخذ الصواع.
وأما قوله :" وضَعَ الصُّواعَ في رحْلِي الذي وضع البِضاعَة في رحالكم " فالفرق ظاهرٌ ؛ لأنهم لمَّا رجعوا بالبضاعة إليهم اعتروفا بأنهم هم الذين وضعوها في رحالهم، وأمَّا الصُّواع، فلم يعترف أحدٌ بأنه هو الذي وضع الصُّواعَ ؛ فلهذا غلب على ظنونهم أنه سرق ؛ فشهدوا بناء على غلبة الظَّنِّ، ثمَّ بينوا أنهم غيرُ قاطعين بهذا الأمر بقوله : وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ .
وثانيها : تقدير الكلام : إِنَّ ابنك سَرَقَ في قول الملك، وأصحابه، ومثله كثيرٌ في القرآن، قال تعالى : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم [ الدخان : ٤٩ ] أي : عند نفسك وأمَّا عندنا فلا فكذا هاهنا.
وثالثها : أنَّ ابنك ظهر عليه ما يشبه السَّرقة، ومثل هذال المعنى قد يسمَّى سرقة، فإن إطلاق أحد الشَّيئين على الشبيه الآخر جائزٌ، مثله في القرآن وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا [ الشورى : ٤٠ ].
ورابعها : أنهم ما كانوا أنبياء في ذلك الوقت، فلا يبعد أن يقال : إنهم ذكروا هذا الكلام على سبيل المجازفة، لا سيَّما، و قد شاهد سائرهم ذلك.
وخامسها : قراءة ابن عبَّاسٍ رضي الله عنه المتقدمة " سُرِّقَ " أي : نسب إلى السَّرقة، فهذه لا تحتاجُ إلى تأويلٍ، إلاَّ أنه تقدَّم أنَّ أمثال هذه القراءة لا تدفعُ السَّؤال ؛ لأنَّ الإشكال إنَّما يندفعُ إذا كانت القراءة الأولى باطلة، وهذه القراءة حقّ أمَّا إذا كانت الأولى حقّ، كان الإشكال باقياً صحَّت القراءة، أو لم تصحّ، فلا بدّ من الرجوعِ إلى أحدِ الوجوه المذكورة.
فصل
دلَّ قولهم : وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا على أنَّ الشَّهادة غير العلم ؛ لأن هذا الكلام يقتضي كون الشَّهادةِ مغايرة للعلم، ولقوله عليه الصلاة والسلام :" إذَا عَلمْتَ مثلَ الشَّمْسِ فاشْهَدْ ". . . وليست الشَّهادةٌ عبارةً عن قوله " اشْهَد " ؛ لأنه إخبار عن الشَّهادة، والأخبار عن الشَّهادة غير الشهادة.
وإذا ثبت هذا ؛ فنقول : الشَّهادةُ عبارةٌ عن الحكم الذِّهنيِّ وهو الذي يسميه المتكلمون ب " الكلام " النفسي ".
فصل
قال القرطبيُّ : تضمنت هذه الآية جواز الإشهاد بأيّ [ وجه ] حصل العلمُ بها فإنَّ الشَّهادة مرتبطةٌ بالعلم عقلاً وشرعاً، فلا تسمعُ إلاَّ ممَّن علم، ولا تقبلُ إلاَّ منهم، وهذا هو الأصل في الشَّهادات.
ولهذا قال أصحابنا : شهادة الأعمى جائزة، وشهادة المستمع جائزةٌ، وشهادة الأخرس إذا فهمت إشارته جائزة، وكذلك الشَّهادة على الخطّ أي : إذا تبيَّن أنه خطُّه، أو خطُّ فلان صحيحةٌ، فكلُّ من حصل كله العلم بشيء ؛ جاز أن يشهد به، وإن لم يشهدهُ المشهودُ عليه. قال الله تعالى : إِلاَّ مَن شَهِدَ بالحق وَهُمْ يَعْلَمُونَ [ الزخرف : ٨٦ ] وقال عليه الصلاة والسلام :" ألاَ أخْبِرُكمْ بِخيْرِ الشُّهداءِ ؟ الذي يأتِي بشهادة قَبْل أنْ يُسْألَها ".
قوله تعلى : وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ قال مجاهدٌ وقتادة : وما كنا نعلم أنَّ ابنك يسرق، ويصيِّر أمرنا إلى هذا، ولو علمنا بلك ما ذهبنا به معنا، وإنَّما قلنا : ونحفظ أخانا مما لنا إلى حفظه من سبيل.
وقال عكرمة : لعلَّ الصُّواع دفن في اللَّيلِ، فإنَّ الغيب هو اسم لليل على بعض اللغات.
وقيل : رأيناهم أخرجوا الصواع من رحله، أمَّا حقيقة الحالِ، فغير معلومة لنا، فإن الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى.
وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما ما كنا لليله، ونهاره، ومجيئه، وذهابه حافظين.
وقيل : إنَّ يعقوب عليه الصلاة والسلام قال لهم : فهبْ أنه سرق، ولكن كيف علم الملكُ أن شرع بني إسرائيل أنَّه من سرقَ يُسترقُّ بل أنتم ذكرتموه له لغرض لكم، فقالوا عند ذلك : إنَّا ذكرنا له هذا الحكم قبل أن نعلم أنّ هذه الواقعة نقع فيها، فوله : وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ أي : ما كنا نعلم أن الواقعة تصيبنا.
فإن قيل : فهل يجوز من يعقوب أن يخفي حكم الله ؟.
فالجواب : لعلَّ ذلك الحكم كان مخصوصاً بما إذا كان المسروق منه مسلماً، فلهذا أنكر ذلك الحكم عند الملك الذي ظنَّه كافراً.
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود