ﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘ

بنيامين أَباً شَيْخاً كَبِيراً في السن لا يكاد يستطيع فراقه وهو يفرح به إن رددناه فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ أي بدلا منه في الاسترقاق إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) إلينا في حسن الضيافة ورد البضاعة إلينا فأتمم إحسانك إلينا بهذه التتمة قالَ مَعاذَ اللَّهِ أي نعوذ بالله معاذا من أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ لأن أخذنا له إنما هو بقضية فتواكم إِنَّا إِذاً أي إن أخذنا بريئا بمذنب لَظالِمُونَ (٧٩) في مذهبكم وما لنا ذلك ولهذا الكلام معنى باطن وهو أن الله تعالى إنما أمرني بالوحي بأن آخذ بنيامين لمصالح يعلمها الله تعالى فلو أخذت غيره كنت عاملا بخلاف الوحي فصرت ظالما لنفسي فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ أي من يوسف خَلَصُوا نَجِيًّا أي تفردوا عن سائر الناس يتناجون قالَ كَبِيرُهُمْ في السن وهو روبيل أو في العقل وهو يهوذا، أو رئيسهم وهو شمعون أَلَمْ تَعْلَمُوا يا إخوتاه أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ في رد بنيامين إليه وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ ف «ما» مزيدة، والجار والمجرور متعلق ب «فرطتم» أي ومن قبل أخذكم العهد في شأن بنيامين قصرتم في شأن يوسف، ولم تفوا بوعدكم على النصح والحفظ له، «أو» مصدرية عطفا على مفعول «تعلموا» أي ألم تعلموا أخذ أبيكم عليكم موثقا وتفريطكم السابق في شأن يوسف أو وترككم ميثاقه في حق يوسف، «أو» موصولة عطفا على مفعول «تعلموا» أيضا أي ألم تعلموا أخذ أبيكم موثقا والذي قدمتموه في حق يوسف من الخيانة العظيمة من قبل تقصيركم في بنيامين فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ أي فلن أفارق أرض مصر حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي في الرجوع إليه أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي بالخروج منها على وجه لا يؤدي إلى نقض الميثاق أو بخلاص أخي من يد العزيز بسبب من الأسباب وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٠) لأنه لا يحكم إلا بالعدل والحق.
روي أنهم كلموا العزيز في إطلاق بنيامين فقال روبيل: أيها الملك لتردن إلينا أخانا أو لأصيحن صيحة لا تبقى بمصر حامل إلا ألقت ولدها ووقفت كل شعرة في جسده فخرجت من ثيابه فقال يوسف لابنه: قم إلى جنب روبيل فمسه فذهب ذلك الابن فمسه، فسكن غضبه. فقال روبيل: إن هذا بذر من بذر يعقوب وهمّ أن يصيح فركض يوسف عليه السلام على الأرض وأخذ بملابسه وجذبه فسقط على الأرض. وقال له: أنتم يا معشر العبرانيين تزعمون أن لا أحد أشد منكم فلما رأوا ما نزل بهم ورأوا أن لا سبيل إلى الخلاص خضعوا،
ثم قال لهم كبيرهم:
ارْجِعُوا يا إخوتي إِلى أَبِيكُمْ دوني فَقُولُوا له متلطفين بخطابكم: يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ صواع الملك من ذهب وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا أي رأينا أن الصواع استخرجت من وعائه وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ أي باطن الحال حافِظِينَ (٨١) أي إن حقيقة الأمر غير معلومة لنا فإن الغيب لا يعلمه إلا الله فلعل الصواع دس في رحله ونحن لا نعلم ذلك وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها أي واسأل أهل قرية من قرى مصر التي كنا فيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها أي واسأل

صفحة رقم 544

أصحاب الإبل التي عليها الأحمال الذين جئنا معهم وهم قوم من كنعان من جيران يعقوب عليه السلام وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٨٢) في أقوالنا فرجع التسعة إلى أبيهم فقالوا له: ما قال كبيرهم قالَ أي يعقوب: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً أي بل زيّنت لكم أنفسكم إخراج بنيامين عني إلى مصر طلبا للمنفعة فعاد من ذلك ضرر فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أي فعلي صبر بلا جزع ولما رجع القوم إلى يعقوب عليه السلام وأخبروه بالواقعة بكى وقال: يا بني لا تخرجون من عندي مرة إلا ونقص بعضكم، ذهبتم مرة فنقص يوسف، ومرة ثانية نقص شمعون، ومرة ثالثة نقص روبيل وبنيامين ثم بكى وقال: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ أي بيوسف وأخيه الشقيق وأخيه الذي توقف في مصر جَمِيعاً فلا يتخلف منهم أحد وإنما قال يعقوب هذه المقالة على سبيل حسن الظن بالله تعالى، لأنه إذا اشتد البلاء كان أسرع إلى الفرج، ولأنه علم بما جرى عليه وعلى بنيه من رؤيا يوسف إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ بحالي وحالهم الْحَكِيمُ (٨٣) أي الذي لم يبتلني إلا لحكمة بالغة وَتَوَلَّى عَنْهُمْ أي وأعرض يعقوب عن بنيه حين بلغوه خبر بنيامين، وخرج من بينهم كراهة لما سمع منهم. وَقالَ يا أَسَفى أي يا شدة حزني عَلى يُوسُفَ أي أشكو إلى الله أسفي ولم يسترجع يعقوب أي لم يقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، لأن الاسترجاع خاص بهذه الأمة وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ أي ضعف بصره من كثرة البكاء، فإن الدمع يكثر عند غلبة البكاء، فتصير العين كأنها بيضاء من بياض الماء الخارج منها فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) أي ممسك على حزنه فلا يظهره أو ممتلئ من الحزن أو مملوء من الغيظ على أولاده. قالُوا أي الجماعة الذين كانوا في الدار من أولاد أولاده وخدمه: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ أي والله لا تزال تذكر يوسف حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أي فاسدا في جسمك وعقلك أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (٨٥) أي من الأموات فكأنهم قالوا: أنت الآن في بلاء شديد، ونخاف عليك أن يحصل فيك ما هو أزيد منه وأرادوا بهذا القول منعه عن كثرة البكاء. الَ
أي يعقوب لهم: نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ
أي لا أذكر الحزن العظيم ولا الحزن القليل إلا مع الله أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
(٨٦) أي أعلم من رحمته ما لا تعلمون وهو أنه تعالى يأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب، أي إنه يعلم أن رؤيا يوسف صادقة، ويعلم أن يوسف حي لأن ملك الموت قال له:
اطلبه هاهنا وأشار إلى جهة مصر ويعلم أن بنيامين لا يسرق، وقد سمع أن الملك ما آذاه وما ضرّ به فغلب على ظنه أن ذلك الملك هو يوسف فمن ذلك قال: يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ أي استعلموا بعض أخبار يوسف وأخيه بنيامين فإن حالهما مجهولة ومخوفة بخلاف حال روبيل وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ أي لا تقنطوا من فرج الله وفضله. وقرأ الحسن وقتادة «من روح الله» بضم الراء، أي من رحمته إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (٨٧) لأن اليأس من رحمة الله تعالى لا يحصل إلا إذا اعتقد الإنسان أن الإله غير قادر على الكمال أو غير عالم

صفحة رقم 545

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا

تحقيق

محمد أمين الضناوي

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت
سنة النشر 1417
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية