والبث : أشد الحزن.
قال إنما أشكو بَثّي أي : شدة همي وحزني الذي لا صبر عليه، إلى الله لا إلى أحد منكم ولا غيركم ؛ فَخَلّوني وشِكَايتي، فلست مِمَّن يجزع ويَضْجَر ؛ فيستحق التعنيف، وإنما أشكو إلى الله، ولا تعنيف فيه ؛ لأن فيه إظهار الفقر، والعجز بين يديه، وهو محمود. وأعلمُ من الله ما لا تعلمون أي : أعلم من لطف الله ورأفته ورحمته، ما يوجب حسن ظني وقوة رجائي، وأنه لا يخيب دعائي، ما لا تعلمون. أو : وأعلم من طريق الوحي من حياة يوسف ما لا تعلمون ؛ لأنه رأى ملك الموت فأخبره بحياته، كما تقدم. وقيل : علم من رؤيا يوسف أنه لا يموت حتى تخر له إخوته سُجّداً.
فلما فقد ذلك التجلي الجمالي حزن عليه، وإلا فالأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ أولى بالغنى بالله عما سواه. فإذا حصل للقلب الغنى بالله لم يتأسف على شيء، ولم يحزن على شيء ؛ لأنه حاز كل شيء، ولم يفته شيء. " ماذا فقد من وجده، وما الذي وجد من فقده ". ولله در القائل :عَيْني لِغَيْرِ جَمَالِكُمْ لاَ تَنْظُرُ وسِوَاكمُ فِي خَاطِري لا يَخطرُ
وهذا أمر محقق، مذوق عند العارفين ؛ أهل الغنى بالله. وقوله : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله : فيه رفع الهمة عن الخلق، والاكتفاء بالملك الحق، وعدم الشكوى فيما ينزل إلى الخلق... وهو ركن من أركان طريق التصوف، بل هو عين التصوف. وبالله التوفيق. أَنَا الفَقِيرُ إِليْكُمُ والْغَنِيُّ بِكُمُ وَلَيْس لِي بَعدَكُمُ حِرْصٌ عَلى أَحدِ
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي