ثم أشار إلى جانب مصر وقال : اطلبه من هاهنا ولذلك قال : يا بنيّ اذهبوا فتحسسوا ، أي : والتحسيس طلب الخبر بالحاسة وهو قريب من التجسيس بالجيم، وقيل : التحسيس بالحاء يكون في الخير، وبالجيم يكون في الشرّ ومنه الجاسوس وهو الذي يطلب الكشف عن عورة الناس، والمعنى تحسسوا خبراً من أخبار يوسف وأخيه ، أي : اطلبوا خبرهما.
وثانيها : أنه علم أنّ رؤيا يوسف عليه السلام صادقة ؛ لأنّ أمارات الرشد والكمال ظاهرة في حق يوسف عليه السلام، ورؤيا مثله لا تخطئ.
وثالثها : لعله تعالى أوحى إليه أنه سيوصله إليه، ولكنه تعالى ما عين الوقت، فلهذا بقي في القلق.
ورابعها : قال السدي : لما أخبره بنوه بسيرة الملك وكمال حاله وأقواله وأفعاله طمع في أن يكون هو يوسف وقال : بعيد أن يظهر في الكفار مثله، ثم تلطف ببنيه وقال لهم : ولا تيأسوا ، أي : تقنطوا من روح الله قال ابن عباس : من رحمة الله. وقال قتادة : من فضل الله. وقال ابن زيد : من فرج الله. إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ، أي : الغريقون في الكفر، قال ابن عباس : إنّ المؤمن من الله على خير يرجوه في البلاء ويحمده على الرخاء، والكافر على الضدّ من ذلك، فإنّ اليأس من رحمة الله لا يحصل إلا إذا اعتقد الإنسان أنّ إله العالم غير قادر على الكمال، أو غير عالم بجميع المعلومات، أو ليس بكريم بل هو بخيل، وكل واحد من هذه الثلاثة يوجب الكفر، وإذا كان اليأس لا يحصل إلا عند حصول أحد هذه الثلاثة، وكل واحد منها كفر ثبت أنّ اليأس لا يحصل إلا لمن كان كافراً.
وقرأ البزي بعد التاء من تيأسوا وبعد الياء من لا ييأس بألف وبعدها ياء مفتوحة بخلاف عنه، والباقون بهمزة مفتوحة قبلها ياء ساكنة. ولما قال يعقوب عليه السلام لبنيه ذلك قبلوا منه هذه الوصية وعادوا إلى مصر.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني