قوله تعالى : قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين :
قوله : مسنا وأهلنا الضر يتخرج منه شكوى المسبغة والحاجة لمن يرجى أن يكون سببا لكشفها لأن الله تعالى لم يعاقبهم على شكواهم تلك. وقوله : فأوف لنا الكيل دليل على أن الكيل إنما هو على البائع ١. وقد اختلف في ذلك قول مالك، ففي قوله القديم أن على المبتاع الكيل. وعنه بعد ذلك أن الكيل على البائع، وهو الصحيح. لأن عليه أن يوفي ما باع ويبرزه عن ملكه بالوزن. واحتج مالك لهذا القول بهذه الآية : فأوف لنا الكيل . وكذلك الوزان والعداد والمزرع.
وقوله تعالى : وتصدق علينا اختلف فيه : فقيل كانت الصدقة غير محرمة على أولئك الأنبياء وإنما حرمت على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عيينة ٢. وقيل بل كانت محرمة على جميع الأنبياء، واحتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام : " إنا معشر الأنبياء لا تحل لنا الصدقة " ٣، وقالوا في الآية إن قولهم : وتصدق علينا تجوزا واستعطافا منهم في المبالغة كما تقول لمن تساومه في ثمن سلعة : هبني من ثمنها جزء ونحو ذلك. فلم تقصد أن يهبك وإنما حسست له الانفعال حتى يرجع إلى غرضك. وقيل المعنى في ذلك وتصدق علينا بصرف أخينا إلى أبيه ٤. وقيل فيه غير هذا من التأويلات ٥.
وقوله تعالى : إن الله يجزي المتصدقين :
قال بعض المفسرين : قيل هي من المعاريض ٦ التي هي مندوحة عن الكذب وذلك أنهم كانوا ٧ يعتقدونه ٨ كافرا على غير دينهم ولو قالوا له ٩ إن الله تعالى يجزيك بصدقتك في الآخرة كذبوا، فقالوا له لفظا يوهمه ١٠ أنهم أرادوه له ١١ وهم يصح لهم إخراجه بالتأويل١٢. وهذا الذي ذكرناه حجة لمن يرى المعاريض. وقد تقدم الكلام على هذا الفصل مستوفيا. وفي هذه الآية عندي إباحة سؤال الكافر ومبايعته وإحسان القول إليه إذا خيف منه.
٢ ونسبه القرطبي إلى مجاهد. راجع الجامع لأحكام القرآن ٩/ ٣٥٤..
٣ نسبه القرطبي إلى سعيد بن جبير والسدي والحسن. راجع م. س. ، ن. ص. والحديث ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن..
٤ "إلى أبيه" ساقط في (أ). والقول نسبه القرطبي إلى ابن جريج. راجع الجامع لأحكام القرآن ٩/ ٢٥٤..
٥ وقال ابن شجرة: تصدق علينا: تجوز عنا، واستشهد بقول الشاعر:
تصدق علينا يا ابن عفان واحتسب وأمر علينا الأشعري لياليا
راجع م. س. ، ن. ص..
٦ في (هـ): "المعارض"..
٧ "كانوا" كلمة ساقطة في (ز)..
٨ في (ح): "يعتقدون"..
٩ "له" ساقط في (ب)، (ج)، (ح)، (د)..
١٠ في (ج)، (ح): "يوهمونه"..
١١ "له" ساقط في (ح)..
١٢ نسبه ابن عطية إلى النقاش. راجع المحرر الوجيز ٩/ ٣٦٦..
أحكام القرآن
ابن الفرس