بمن أراد ان يغرف الماء ليشربه فبسط كفيه ليقبض على الماء- والقابض على الماء لا يكون فى يده شيء ولا يبلغ الى فيه منه شيء- كذلك الّذي يدعو الأصنام وهى لا تضر ولا تنفع لا يكون بيده شيء وهذا التأويل مروى عن ابن عباس قال كالعطشان إذا بسط كفيه فى الماء لا ينفعه ذلك ما لم يغرف بهما الماء ولا يبلغ فاه ما دام باسط كفيه- فهذا مثل ضربه لخيبة الكفار وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ أصنامهم اى عبادتهم لها وطلب حاجتهم منها إِلَّا فِي ضَلالٍ (١٤) فى ضياع وخسار وبطلان- وقال الضحاك عن ابن عباس وما دعاء الكفرين ربهم جلّ وعلى الا فى ضلال لان أصواتهم محجوبة عن الله تعالى بحجب الكفر والمعاصي والله اعلم-.
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً يعنى الملائكة والمؤمنين وَكَرْهاً يعنى المنافقين والكافرين الّذين اكرهوا على السجود بالسيف- او انهم يسجدون حالة الشدة والضرورة مع كراهيتهم ذلك- وانتصاب طوعا وكرها بالحال او العلة وَظِلالُهُمْ يسجد معهم بالعرض- ويحتمل ان يراد بالسجود انقيادهم «١» لما اراده منهم شاءوا او كرهوا- وانقياد ظلالهم لتصريفه إياها بالمد والتقليص- ويمكن ان يقال المراد بمن فى السّموت والأرض حقائق من فيها وأرواح الملائكة والمؤمنين وبظلالهم أشخاصهم وقوالبهم- كما عبر رسول الله ﷺ فى دعائه الظاهر بالسواد والباطن بالخيال- حيث قال فى سجوده سجد لك سوادى وخيالى- وهذا التأويل اولى مما سبق لان الظلال الّتي يرى فى ضح الشمس عبارة عن سواد موضع لم يصل اليه ضوء الشمس لحجاب جثة الشيء- وذلك امر عدمى لا وجود لها فكيف يسند إليها السجود بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥) ظرف ليسجد والمراد بهما الدوم- والآصال جمع اصيل وهو ما بين العصر الى المغرب-.
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خالقهما ومدبرهما ومتولى أمرهما استفهام تقرير- فانهم كانوا يقولون بان الله خالقهم وخالق السموات والأرض قُلِ اللَّهُ يعنى ان لم يقولوه فاجب أنت عنهم- إذ لا جواب لهم سواه وهم يقولون بذلك- ولانه هو البين الّذي لا يحتمل الاختلاف او لقنهم الجواب به- قال البغوي روى انه لما قال رسول الله ﷺ للمشركين من ربّ السّموت والأرض- قالوا أجب أنت فقال الله تعالى قُلِ اللَّهُ- ثم
قال فالزمهم بذلك وقُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ عطف على محذوف والاستفهام للانكار تقديرهء أقررتم بربوبيته تعالى للعالمين فاتخذتم أشياء كائنة مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ واتخذتموه ظهريا وهذا امر منكر بعيد عن مقتضى العقل- ثم اجرى على الأولياء وصفا بقوله لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا يعنى لا يقدرون على ان يجلبوا الى أنفسهم نفعا او يدفعوا عنها ضرّا فكيف يتولون أموركم وكيف يستطيعون إيصال الخير إليكم او دفع الضرّ عنكم- وهو دليل ثان على ضلالهم وفساد رأيهم فى اتخاذهم اولياء رجاء ان يشفعوا لهم قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى يعنى الّذي لا عقل له ولا بصيرة او لا يستعملها وَالْبَصِيرُ (٥) اى ذو بصيرة يدرك بها حقيقة العبادة والموجب لها- ويميّز من يستحق العبادة والولاية ممن لا يستحق ذلك- وقيل المراد بالأعمى المعبود الغافل منكم- وبالبصير المعبود المطلع على أحوالكم أَمْ هَلْ تَسْتَوِي قرا حمزة والكسائي وابو بكر بالياء التحتانية- والباقون بالتاء الفوقانية لتأنيث الفاعل لكنه غير حقيقى الظُّلُماتُ وَالنُّورُ (٥) يعنى الكفر والايمان لا أَمْ يعنى بل اجعلوا لله شركاء والاستفهام للانكار «١» وقوله خَلَقُوا كَخَلْقِهِ صفة لشركاء داخلة فى حكم الإنكار فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ خلق الله وخلق الشركاء- والمعنى ما اتخذوا شركاء خالقين مثله حتّى يتشابه عليهم الخلق فيقولوا هؤلاء خلقوا كما خلق الله فاستحقوا العبادة كما استحقها- ولكنهم اتخذوا شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق فضلا عما يقدر عليه الخالق قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ يعنى كل ما يشاء من الأجسام والاعراض والأرواح المجردة لا خالق غير الله- ولا يتصور ممن لا يقتضى ذاته وجوده ان يوجد غيره فلا يجوز العبادة لغيره- ومن قال ان الله تعالى لم يخلق افعال العباد بل هم خلقوها فهو ممن تشابه الخلق عليهم وَهُوَ الْواحِدُ المتوحد بالربوبية واستحقاق العبادة- بل المتوحد بالوجود المتأصل لا موجود غيره الا بوجود هو ظل وجوده الْقَهَّارُ (١٦) الغالب
التفسير المظهري
القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري
غلام نبي تونسي