ﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ

ثم ذكر كيفية عذابهن فقال :" مِنْ وَرائِهِ " جملة في محلّ جر صفة ل " جبَّارٍ " ويجوز أن تكون الصفة وحدها الجار، و " جهنم " فاعل به.
وقوله :" ويسقى " صفة معطوفة على الصفة قبلها. عطف جملة فعلية على اسمية فإن جعلت الصفة الجار وحده، وعلقته بفعل كان من عطف فعلية على فعلية.
وقيل : عطف على محذوف، أي : يلقى فيها، ويُسْقَى.
و " وَرَاءِ " هنا على بابها، وقيل بمعنى أمام، فهو من الأضداد، وهذا عنى الزمخشري بقوله :" مِنْ بَيْنِ يَديْهِ " وأنشد :[ الوافر ]

عَسَى الكَرْبُ الَّذي أمْسَيْتُ فِيهِ يَكونُ وَراءَهُ فَرجٌ قَرِيب١
وهو قول أبي عبيدة و ابن السِّكيت، وقطرب، وابن جريرٍ ؛ وقال الشاعر في ذلك :[ الطويل ]
أيَرْجُو بنُو مَرْوان سَمْعِي وطَاعتِي وقَوْمُ تَميمٍ والفَلاةُ وَرَائِيَا٢
أي : قُدَّامي ؛ وقال الآخر :[ الطويل ]
أليْسَ وَرائِي إنْ تَراخَتْ مَنيَّتِي لزومُ العَصَا عليْهَا الأصابِعُ٣
وقال ثعلب : هو اسم لما توارى عنك سواء كان خلفك، أم قدامك فيصح إطلاق لفظ الوراء على الحذف وقدام، ويقال : المَوْتُ وراء كُلُّ أحدٍ، وقال تعالى : وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [ الكهف : ٧٩ ] أي : أمامهم.
وقال ابن الأنباري : وراء بمعنى بعد، قال الشاعر :[ الطويل ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وليْسَ ورَاءَ اللهِ للْخَلْقِ مَهْرَبُ٤
ومعنى الآية : أنه بعد الخيبة يدخلهم جهنم.
قوله : مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ في " صديد " ثلاثة أوجه :
أحدها : أنَّه نعت ل " مَاءٍ ". وفي تأويلان :
أحدهما : أنه على حذف أداة التشبيه، أي : ماء مثل صديد، وعلى هذا فليس الماء الذي تشربونه صديداً، بل مثله في النَّتنِ، والغلظ، والقذارة، كقوله تعالى : وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَاءٍ كالمهل [ الكهف : ٢٩ ].
والثاني : أنَّ الصديد لما كان يشبه الماء أطلق عليه ماء، وليس هو بماء حقيقة، وعلى هذا فيكون يشربون نفس الصديد المشبه للماء، وهو قول ابن عطية، وإلى كونه صفة ذهب الحوفي وغيره. وفيه نظرٌ، إذ ليس بمشتق إلاَّ على من فسَّره بأنه صديد بمعنى مصدود، أخذه من الصَّدِّ، وكأنه لكراهته مصدودٌ عنه، أي : يمتنع عليه كل أحد.
الثاني : أنه عطف بيان ل " مَاءٍ "، وإليه ذهب الزمخشري، وليس مذهب البصريين [ جريانه ]٥ في النكرات إنَّما قال به الكوفيون وتبعهم الفارسي أيضاً.
الثالث : أن يكون بدلاً، وأعرب الفارسي " زَيْتُونةٍ " من قوله تعالى مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ [ النور : ٣٥ ] عطف بيان أيضاً.
واستدلّ من جوَّز كونه عطف بيان، ومتبوعه نكرتين بهاتين الآيتين.
والصَّديد : ما يسيلُ من أجسادٍ أهلِ النَّار. وقيل : ما حَالَ بين الجلدِ واللَّحمِ من القَيْحِ.
١ تقدم..
٢ البيت لسوار بن المضرب. ينظر: الكامل ٢/١٠٢، مجاز القرآن ١/٢٢٧، البحر المحيط ٥/٤٠٢، الجمهرة ١/١٧٧، ٣/٤٩٥، اللسان (ورى)، تفسير القرطبي ١٠/٣٥٠، ١١/٣٥، روح المعاني ١٣/٢٠١، الطبري ١٦/٢، الأضداد (٢٠)، فتح القدير ٣/١٠٠، الدر المصون ٤/٣٥٧..
٣ البيت للبيد. ينظر: ديوانه ١٧٠، اللسان (ورى)، البحر المحيط ٥/٤٠٢، القرطبي ٩/٢٣٠، روح المعاني ١٣/٢٠١، تهذيب اللغة ١٥/٣٠٤، الدر المصون ٤/٢٥٧..
٤ عجز وصدره:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة .......................
وهو للنابغة. ينظر: ديوانه (٢٧)، معاهد التنصيص ٣/٤٨، الألوسي ١٣/٢٠١، الرازي ١٩/١٠٤، القرطبي ٥/٣٨٦، البحر المحيط ٥/٤٠١، فتح القدير ٣/١٠٠..

٥ في ب: بأنه..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية