ﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ

٤ ماء صديد : ماء نتن. والصديد : هو السائل النتن الذي يخرج من البثور والجروح والدمامل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم ١ وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب ٩ قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين ٢ ١٠ قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون ١١ وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون ١٢ وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ١٣ ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ١٤ واستفتحوا ٣ وخاب كل جبار عنيد ١٥ من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد٤ ١٦ يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ ١٧ [ ٩-١٧ ].
قال الطبري : إن الآيات استمرار لحكاية خطاب موسى لقومه، وتابعه مفسرون آخرون، وتوقف ابن كثير في ذلك، ورجح أنه كلام مستأنف وليس من كلام موسى. وقال : إن في كلام ابن جرير نظر، فإنه قيل إن قصة عاد وثمود ليست في التوراة فلو كان هذا من كلام موسى لقومه وقصصه عليهم لاقتضى أن تكون هاتان القصتان في التوراة، ثم فوض الأمر إلى علم الله. والعبارة القرآنية في حد ذاتها تحتمل القولين، وفي سورة غافر آية تحكي عن لسان مؤمن آل فرعون خطابا موجها إلى قومه فيه تذكير لهم بما وقع على قوم نوح وعاد وثمود بسبب كفرهم بالله ورسالاته ؛ حيث يسقط بذلك ما حاول ابن كثير أن يتفاداه بسبب عدم ورود قصة عاد وثمود في التوراة. ولقد علقنا على هذه المسألة في سياق تفسير سورة غافر بما يغني عن التكرار.
وعبارة الآيات واضحة. وقد احتوت حكاية ما كان بين الرسل وأقوامهم من أخذ ورد وحجاج ولجاج وتحد وتهديد ووعيد وانتهت بتقرير خيبة كل جبار عنيد وخزيه في الدنيا وشدة ما ينتظره في الآخرة من عذاب وأهوال. واستهدفت كما هو المتبادر تذكير السامعين الكفار بعاقبة الكفار العنيدين الأولين في الدنيا وما سوف تكون عاقبتهم في الآخرة وإثارة الخوف والارعواء فيهم، وفيها كما في سابقتها معنى التعقيب على آيات السورة الأولى التي حكت موقف كفار العرب كما هو المتبادر أيضا.
ويلفت النظر إلى التماثل بين ما تحكيه الآيات من موقف كفار الأمم السابقة وأقوالهم، وما حكته آيات عديدة مرت أمثلة منها من موقف كفار العرب وأقوالهم ومجادلتهم وتهديدهم للنبي والمؤمنين بالإخراج وأذيتهم لمن يقدرون على أذيته منهم. وكذلك التماثل بين ما تحكيه من أقوال الأنبياء وردودهم وبين ما حكته آيات عديدة مرت أمثلة منها من موقف النبي وردوده على الكفار بلسان القرآن.
وواضح أن هذا التماثل يزيد في قوة تأثير الآيات في السامعين من جهة وفي تطمين النبي والمؤمنين وتسليتهم من جهة أخرى، وهو ما استهدفته الآيات كما هو المتبادر.
وجملة أفي الله شك جديرة بالتنويه، فكفار الأمم السابقة يقولون لأنبيائهم : إننا في شك مما تدعوننا إليه، ويطلبون برهانا على صحة دعوتهم، فيحكي القرآن رد الأنبياء بأن دعوتهم إلى الله، ولا يصح أن يكون في الله شك وهو فاطر السماوات والأرض حتى يطلبوا برهانا على صحة الدعوة إليه. وهذا مماثل لموقف القرآن من كفار العرب، فكما طلبوا الآيات والخوارق كدليل على صحة رسالة النبي أجيبوا بما يفيد أن الدعوة إلى الله، وأنها لا تحتاج إلى آيات وخوارق ؛ لأن آيات الله الماثلة أمامهم والتي يرونها ويحسونها في مشاهد الكون العظيم ونواميسه وفي أنفسهم كافية شافية لمن كان حسن النية صادق الرغبة في الإيمان بالله وحده. والمتبادر أن هذا قد حكي على لسان الأنبياء السابقين ليكون فيه لكفار العرب الإلزام والإفحام. والآيات الأخيرة بخاصة تضمنت تطمينا قويا للنبي والمؤمنين وبشرى تحققت معجزتها بعد الهجرة إلى المدينة ؛ حيث أهلك الله رؤساء الكفار وجبابرتهم العنيدين ومكّن للنبي والمؤمنين في الأرض وشملهم بعطفه ورحمته.



ولقد أورد الطبري في سياق الآية [ ١٧ ] حديثا نبويا بطرقه عن أبي أمامة جاء فيه :( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قوله ويسقى من ماء صديد ١٦ فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره يقول الله عز وجل وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم [ محمد : ١٥ ] ويقول : وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب [ الكهف : ٢٩ ] ) حيث ينطوي في الحديث توضيح نبوي استهدف الإنذار والترهيب فيما استهدفه كما هو شأن الآية.

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير