ولده حتى الحُبَارى (١)، وُيحب عَنَدَه، أي اعتراضه، فالمعاند: المعارض لك بالخلاف (٢).
قال ابن الأعرابي: أَعْنَدَ الرجل، إذا عارض إنسانًا بالخلاف، وأعْنَدَ، إذا عارض بالاتفاق (٣)، وعاند البعير خطامه أي: عارضه (٤)، والعَنُود من الإبل، التي تُعاند الإبل فتعارضه (٥)، وقال قوم من أهل اللغة: معنى عَنَدَ، إذا أبى قبولَ الشيء مع العلم به تكبرًا عنه وبغيًا وطغيانًا (٦)، ومعنى وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ: فاز الرسل بالنصرة، وخاب كل من كفر؛ لأنه لم يظفر بما تمنَّى.
١٦ - قوله تعالى: مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ [قال ابن عباس والمفسرون: يريد أمامه جهنم] (٧) بين يديه (٨)، ووراء يكون لخلف وقُدَّام، وإنما معناه ما
(٢) انظر: (عند) في "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٥٨٨، و"المحكم" ٢/ ١٥، و"التاج" ٥/ ١٣٠.
(٣) ورد في "تهذيب اللغة" "عند" ٣/ ٢٥٨٨، بنصه.
(٤) المصدر السابق بنصه.
(٥) المصدر السابق بنصه منسوباً للقيسي.
(٦) المصدر السابق بنحوه منسوباً لليث، وانظر: "عند" في "اللسان" ٥/ ٣١٢٤، و"التاج" ٥/ ١٣٠.
(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ش)، (ع).
(٨) ورد في تفسيره "الوسيط" ١/ ٣١٢ بنصه عن ابن عباس، و"ابن الجوزي" ٤/ ٣٥١ بنحوه عن ابن عباس، وانظر: "الطبري" ١٣/ ١٩٥، و"الثعلبي" ٧/ ١٤٨ أ، و"الماوردي" ٣/ ١٢٧.
توارى عنك؛ أي: ما اسْتَتَر عنك (١) فعلى هذا إنما قيل (من ورائه) لما بين يديه؛ لاستتاره عنه، فصار كما يكون خلفه لمّا كان لا يراه. وذهب قوم إلى أن الوراء من الأضداد؛ يكون الخلف والقُدَّام (٢)، وهو قول أبي عبيدة (٣)، وابن السِّكِّيت (٤)، وأبي الهيثم (٥).
قال أهل المعاني: وإنما جاز ذلك (٦) لأنه ما من مكان إلا ويصح أن يكون خلفًا وقدامًا، ولمّا (٧) كان ما هو خلف يجوز أن يصير قدامًا، جاز أن يقع الوراء على القُدَّام (٨)، ومن هذا قوله تعالى: وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ
(٢) انظر: "ثلاثة كتب في الأضداد" للأصمعي ص٢٠، والسجستاني ص ٨٢، و"الأضداد" لابن الأنباري ص ٦٨، و"تأويل مشكل القرآن" ص ١٨٩، و"جمهرة اللغة" ١/ ٢٣٦، وقد أنكر الزجاج والنحاس أن تكون وراء من الأضداد، ورجحا أن تكون بمعنى الاستتار، وهو ما ذهب إليه ثعلب؛ فقد سئل لم قيل الوراء للأمام، فقال: الوراء اسم لما توارى عن عينك، سواءً أكان أمامك أم خلفك.
"معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١٥٧، و"معاني القرآن" للنحاس ٣/ ٥٢٢، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" ٤/ ٣٥٢، و"تفسير الشوكاني" ٣/ ١٤٣.
(٣) "مجاز القرآن" ١/ ٢٣٧ بنحوه.
(٤) "الأضداد" لابن السكيت "ثلاثة كتب في الأضداد" ص ١٧٥، وانظر (ورى) في "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٨٧٩.
(٥) ورد في "تهذيب اللغة" (ورى) ٤/ ٣٨٧٩ بنحوه، وأبو الهيثم هو: الرازي، تقدمت ترجمته.
(٦) أي كون (وراء) ميت الأضداد.
(٧) في (أ)، (د): (إنما)، والمثبت من (ش)، (ع).
(٨) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٥٧ بنحوه، و"معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٣٠٥ بنحوه، وانظر: "الأضداد" للجسستاني "ثلاث كتب في الأضداد" ص ٨٢، و"الأضداد" لابن الأنباري ص ٦٨.
[الكهف: ٧٩]، أي: أمامهم (١)، ويقال: الموت من (٢) وراء الإنسان، أي: أمامه، وذكر ابن الأنباري وجهًا ثالثًا؛ وهو: أن وراء هاهنا بمعنى بعد (٣)، والكناية فيه تعود إلى اليأس الذي دلَّ عليه قوله: وَخَابَ كأنه قال: من بعد يأسه (٤) جهنم، كقول النابغة:
ولَيْسَ وَرَاء اللهِ للمَرْءِ مَذْهَبُ (٥)
أي: وليس بعد الله مذهب.
وقال مقاتل: مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ يعني بَعْده (٦)، وهذا على معنى أن جهنم تلحقه، وأن عاقبته تصير إليها؛ كما يقال: وراءك برد شديد؛ أي:
(٢) (من) ساقطة من (ش)، (ع).
(٣) انظر: "تفسير ابن الجوزي" ٤/ ٣٥٢، و"الفخر الرازي" ١٩/ ١٠٣، وورد بلا نسبة في "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١٥٧، و"تهذيب اللغة" (ورى) ٤/ ٣٨٧٨، و"تفسير الماوردي" ٣/ ١٢٨، و"تفسير القرطبي" ٩/ ٣٥٠، وقد انتصر ابن عطية لهذا المعنى في رده على الطبري وغيره ممن فسَّروا (ورائه) بـ (أمامه)، وذكر أن (وراء) هاهنا على بابها؛ أي: ما يأتي بعد في الزمان. انظر: "تفسير ابن عطية" ٨/ ٢١٧.
(٤) في (أ): (بانيه)، وفي (د): (بابنيه)، وفي (ش)، (ع): (ناسه)، والتصويب من "تفسير ابن الجوزي" ٤/ ٣٥٢.
(٥) صدره:
حلفتُ فلم أترك لنفسك رِيبةً
"ديوان النابغة" الذبياني ص ٢٧، وورد في "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١٥٧، "الأضداد" لابن الأنباري ص ٧٠، و"تهذيب اللغة" (ورى) ٤/ ٣٨٧٩، و"تفسير الماوردي" ٣/ ١٢٨، و"تفسير القرطبي" ٩/ ٣٥٠، و"الألوسي" ١٣/ ٣٠١، وهذا البيت من قصيدة قالها يعتذر بها إلى النعمان بن المنذر ويمدحه.
(٦) "تفسير مقاتل" ١/ ١٩٢ أ، وعبارته: من بعدهم؛ يعني من بعد موته، وانظر: "تفسيرالثعلبي" ٧/ ١٤٨ أ، بنصه، ونقلها عنه.
أنه يأتيك ويبلغك، وأنا من وراء هذا الأمر، أي: أصل إليه طالبًا، ومنه قول لبيد:
| أَلَيْسَ وَرَائِي إنْ تَرَاخَتْ مَنِيَّتي | لُزُومُ العَصَا تُحْنَى عليها الأصَابعُ (١) |
وقوله تعالى: وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ الصديد في اللغة: ماء الجرح المختلط بالدم والقيح (٣)، يقال: أصَدَّ الجرح.
قال ابن عباس: يريد صديد القيح والدم الذي يخرج من فروج الزُناة (٤)، وهو قول القرظي (٥)، والربيع (٦).
(٢) في (أ)، (د): (ثابتة)، والمثبت من (ش)، (ع).
(٣) انظر: "مجاز القرآن" ص ٣٣٨، و"الغريب" لابن قتيبة ١/ ٢٣٦، و"معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١٥٧، و"نزهة القلوب" ص ٢٩٧، (صدّ) في "تهذيب اللغة" ٢/ ١٩٨٥، و"مقاييس اللغة" ٣/ ٢٨٢، و"مجمل اللغة" ٢/ ٥٣٢، و"اللسان" ٤/ ٢٤١٠ (صدد).
(٤) ورد بلا نسبة في "تفسير الثعلبي" ٧/ ١٤٨أ، وتفسيره "الوسيط" ١/ ٣١٢ بنصه.
(٥) ورد في "تفسير الثعلبي" ٧/ ١٤٨ أ، بنحوه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" ٤/ ٣٥٣، و"الخازن" ٣/ ٧٣، و"حاشية الجمل على الجلالين" ٢/ ٥١٩، و"تفسير الألوسي" ١٣/ ٢٠٢، و"صديق خان" ٧/ ٩٨.
(٦) ورد في "تفسير الثعلبي" ٧/ ١٤٨ أ، بنحوه، وانظر: "تفسير القرطبي" ٩/ ٣٥٢، و"الألوسي" ١٣/ ٢٠٢.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي