ﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ

مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ أي : من بعده جهنم، والمراد بعد هلاكه على أن وراء ها هنا بمعنى بعد، ومنه قول النابغة :

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مذهب
أي : ليس بعد الله، ومثله قوله : ومن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ أي : من بعده. كذا قال الفراء. وقيل : من ورائه أي : من أمامه، قال أبو عبيد : هو من أسماء الأضداد، لأن أحدهما ينقلب إلى الآخر، ومنه قول الشاعر :
ومن ورائك يوم أنت بالغه لا حاضر معجز عنه ولا بادي
وقال آخر :
أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي وقومي تميم والفلاة ورائيا
أي : أمامي، ومنه قوله تعالى : وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [ الكهف : ٧٩ ]. أي : أمامهم، ويقول أبي عبيدة هذا قاله قطرب. وقال الأخفش : هو كما يقال : هذا الأمر من ورائك، أي : سوف يأتيك، وأنا من وراء فلان، أي : في طلبه. وقال النحاس : من ورائه، أي : من أمامه، وليس من الأضداد، ولكنه من توارى، أي : استتر فصارت جهنم من ورائه ؛ لأنها لا ترى، وحكى مثله ابن الأنباري. ويسقى مِن مَّاء صَدِيدٍ معطوف على مقدّر جواباً عن سؤال سائل، كأنه قيل : فماذا يكون إذن ؟ قيل : يلقى فيها ويسقى، والصديد ما يسيل من جلود أهل النار، واشتقاقه من الصدّ، لأنه يصدّ الناظرين عن رؤيته، وهو دم مختلط بقيح، والصديد صفة لماء. وقيل : عطف بيان منه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : لَنُخْرِجَنَّكُمْ مّنْ أَرْضِنَا الآية، قال كانت الرسل والمؤمنون يستضعفهم قومهم، ويقهرونهم، ويكذبونهم، ويدعونهم إلى أن يعودوا في ملتهم، فأبى الله لرسوله والمؤمنين أن يعودوا في ملة الكفر، وأمرهم أن يتوكلوا على الله، وأمرهم أن يستفتحوا على الجبابرة، ووعدهم أن يسكنهم الأرض من بعدهم، فأنجز لهم ما وعدهم. واستفتحوا كما أمرهم الله أن يستفتحوا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال : وعدهم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة، فبين الله من يسكنها من عباده فقال : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ [ الرحمن : ٤٦ ] وإن لله مقاماً هو قائمه، وإن أهل الإيمان خافوا ذلك المقام فنصبوا ودأبوا الليل والنهار.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : واستفتحوا قال : للرسل كلها يقول استُنصروا، وفي قوله : وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ قال : معاند للحقّ مجانب له. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال : استنصرت الرسل على قومها وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ يقول : عنيد عن الحق معرض عنه، أبى أن يقول لا إله إلاّ الله. وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي قال : العنيد الناكب عن الحق. وأخرج أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن أبي الدنيا، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو نعيم في الحلية، وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : ويسقى مِن مَّاء صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ قال : يقرب إليه فيتكرهه، فإذا دنا منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره. يقول الله تعالى : وَسُقُوا مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ [ محمد : ١٥ ]. وقال : وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كالمهل يَشْوِي الوجوه [ الكهف : ٢٩ ]. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس في قوله : مِن مَّاء صَدِيدٍ قال : يسيل من جلد الكافر ولحمه. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن عكرمة قال : مِن مَّاء صَدِيدٍ هو القيح والدم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلّ مَكَانٍ قال : أنواع العذاب، وليس منها نوع إلاّ الموت يأتيه منه لو كان يموت، ولكنه لا يموت لأن الله يقول : لاَ يقضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا [ فاطر : ٣٦ ]. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلّ مَكَانٍ قال : من كلّ عظم وعرق وعصب. وأخرج أبو الشيخ في العظمة، عن محمد بن كعب نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن إبراهيم التيمي قال : من موضع كل شعرة في جسده وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ قال : الخلود. وأخرج ابن المنذر عن الفضيل بن عياض وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ قال : حبس الأنفاس. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : مَّثَلُ الذين كَفَرُوا بِرَبّهِمْ الآية قال : مثل الذين عبدوا غيره فأعمالهم يوم القيامة كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف، لا يقدرون على شيء من أعمالهم، ينفعهم كما لا يقدر على الرماد إذا أرسل في يوم عاصف.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية