ﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼ

ويقول سبحانه من بعد ذلك قضية كونية :
مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضّلال البعيد ١٨
وقد يأتي في أذهان البعض ما يشوّه عقائد الإيمان فيقول : كيف يدخل فلان النار وهو من أهدى البشرية تلك المخترعات الهائلة التي غيّرت مسارات الحضارة، وأسعدت الناس ؟ كيف يعذّب الله هؤلاء الذين بذلوا الجهد ليطوروا من العلوم والفنون، أيعذبهم لمجرد أنهم كفار ؟
وأقول : نعم، يعذبهم الله على الرغم من أنه سبحانه لا يضيع عنده أجر من أحسن عملا ؛ وهو قادر على أن يجزيهم في الدنيا بما ينالونه من مجد وشهرة وثروة ؛ وهم قد عملوا من أجل ذلك.
وانطبق عليه قوله :( عملت ليقال وقد قيل )١ وأخذوا أجورهم مما عملوا لهم ؛ ذلك أنهم عملوا ولم يكن في بالهم الله.
وهكذا يصور القرآن مسألة الجزاء، فالواحد من هؤلاء الكفار إذا كان يلقى العذاب الغليظ على الكفر، فالحق لا يغمطه٢ أجر ما فعل من خير ؛ فينال ذلك في الدنيا ويستمتع بإطلاق اسمه على اختراعه أو اكتشافه.
ونعلم جميعا قوله صلى الله عليه وسلم :( من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه )٣ أما في الآخرة فالعذاب جزاؤه ؛ لأنه عاش كافرا بالله.
وهذه الأعمال التي صنعوها في الدنيا، وظنوا أنها أعمال إنسانية وأعمال بِرّ تأتي يوم القيامة وهي رماد تهبّ عليه الريح الشديدة في يوم عاصف لتذره بعيدا :
مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف لا يقدِرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد ١٨ ( إبراهيم ).
ولن تكون لديهم عندئذ فرصة لاستئناف الحياة ليستفيدوا من التجربة ؛ بل أمامهم وحولهم العذاب ؛ لسان حال كل منهم يقول :
رب ارجعونِ ٩٩ لعلّي أعمل صالحا.. ١٠٠ ( المؤمنون ).
لكنه لو رُدّ إلى الحياة لعاد ما نُهي عنه، مصداقا لقول الحق سبحانه :
ولئن رُددتُ إلى ربي لأجدنّ خيرا منها مُنقلباً ٣٦ ( الكهف ).
وهذا الكفر هو الضلال البعيد الذي جعل كل أعمالهم التي ظنوا أنها صالحة ؛ مجرد أعمال محبطة، فضلّوا بالكفر عن الطريق المُوصّل إلى خير الآخرة.

١ أخرجه مسلم في صحيحه (١٩٠٥)، وأحمد في مسنده (٢/٣٢٢) والنسائي في سننه (٦/٢٣، ٢٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقد شرحه فضيلة الشيخ الشعراوي في كتاب (الأحاديث القدسية) (١/١٣٥-١٥١) بتحقيقي..
٢ غمط الحق: جحده. والغمط: كفران النعمة وسترها. [لسان العرب - مادة: غمط]..
٣ حديث متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه (١)، وكذا مسلم في صحيحه (١٩٠٧) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأوله: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير