وكيف لا نتوكّل على الله نحن معاشر المؤمنين؟! وقد هدانا إلى سبل المعرفة والحق والخير والرشاد، ولنصبرن على ألوان أذاكم لنا بالقول أو بالفعل، وليستمرّ المؤمنون، ويثبتوا على توكّلهم على الله، وليثقوا به، وليتحملوا كل أذى في سبيل مرضاته، ففي ذلك الخير كله والنّجاة الأبدية في عالم الآخرة.
تهديد الأقوام لرسلهم
لقد تعرّض الرّسل الكرام في التاريخ من أقوامهم المرسلين إليهم لأسوإ أنواع المعاملة، وأقسى الكلام، والتهديد بالطرد أو الإبعاد من البلاد أو الإعادة إلى الوثنية الموروثة والجاهلية الفوضوية، معتمدين في هذا التهديد على مالهم من قوة وسلطان ونفوذ، إما بسبب الكثرة العددية والأتباع أو الثروة والمال، أو الجاه والظلم الطبقي، ويستغلون ضعف الدّعاة إلى الله وقلّة أتباعهم، إلا أن العبرة بالنتائج، ففي نهاية الأمر تكون الغلبة والتفوق والنصر لأهل الحق والإيمان، والهزيمة والمذلّة لأهل الكفر والباطل والضلال. وهذه صورة الفريقين في القرآن الكريم:
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ١٣ الى ١٨]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (١٤) وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧)
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦»
(٢) خسر كل متعاظم متكبّر.
(٣) معاند للحق. [.....]
(٤) ما يسيل من أجساد أهل النّار.
(٥) يتكلف بلعه لحرارته.
(٦) يبتلعه لشدة كراهته.
«١» [إبراهيم: ١٤/ ١٣- ١٨].
حينما انهزم أهل الضّلال في النّقاش والحجاج العقلي أمام رسلهم، لجؤوا إلى التهديد والوعيد والإيذاء بالقول والفعل، وتوعّد الرّسل إما بالطّرد والإبعاد من بلادهم، وإما بالعودة إلى الوثنية الملّة الموروثة عن الآباء والأجداد، فأوحى الله لرسله قائلا لهم: لنهلكنّ الظالمين المشركين، ولنسكننكم أنتم وذرّيتكم أرضهم وديارهم من بعد هلاكهم، عقوبة لهم على تهديداتهم، ذلك الإعلان للحكم الموحى به بإهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ديارهم، لمن خاف موقفه بين يدي ربّه، وهاب وعيده بالعذاب والعقاب.
ثم أبان الله تعالى بقوله: وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) أي إن الرّسل سألوا إنفاذ الحكم بنصرهم وتعذيب الكفرة، فأجابهم ربّهم لما طلبوا، ولم ينجح كل جبّار، أي متعظم في نفسه، لا يرى لأحد عليه حقّا، معاند للحق، منحرف عنه، فهو عنيد، أي يعاند ولا ينقاد للحق، ولا ينصاع لنداء الله بالإيمان.
وكان أمام هذا الجبار العنيد جهنم بانتظاره، بعد حذره وتحفظه، ويسقى في النار من ماء صديد، أي مما يسيل من أجساد أهل النار من قيح ودم، فهو ليس بماء في الحقيقة، وإنما ماؤه هذا الصديد المتغير الذي يخرج من الجوف. يتحسّاه جرعة بعد جرعة، ولا يكاد يبتلعه، لكراهته، وسوء طعمه ولونه وريحه، مما يدل على التّألم حين ابتلاعه، كما جاء في آية أخرى: وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ [محمد: ٤٧/ ١٥].
ويروى أن الكافر يؤتى بالشربة من شراب أهل النار، فيتكرهها، فإذا أدنيت منه، شوت وجهه، وسقطت فيها فروة رأسه، فإذا شربها قطّعت أمعاءه.
ويأتيه ألم الموت، وشدة نزع الروح من كل مكان، من غير إبقاء شعرة في بدنه، ولا يراح بالموت، فلا يموت، كما جاء في آية أخرى: لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها [فاطر: ٣٥/ ٣٦].
وله من وراء ذلك كله عذاب غليظ، أي شديد صعب مؤلم، أشد غلظة مما سبقه، وهو دائم غير منقطع.
ويتأسف الكفار على أعمالهم الصالحة في الدنيا التي ضاعت هدرا، ولم تنفعهم في الآخرة، ويكون لهم مثل أو صفة عجيبة، فالذين كفروا أعمالهم الصالحة من صدقات وصلة أرحام وبرّ والدين، كمثل الرماد الذي اشتدت به الريح العاصفة، في يوم عاصف، أي ذي ريح شديدة قوية عاتية، فلم يقدروا على شيء من أعمالهم التي كسبوا في الدنيا، إلا كما يقدرون على جمع هذا الرماد، في يوم القيامة، ذلك هو الضلال البعيد، أي ذلك السّعي والعمل على غير هدى ولا استقامة ولا إيمان:
مغرق في البعد عن الحق والنجاة، حتى فقدوا ثوابه، لفقدهم شرط قبوله: وهو الإيمان. وشبّهت أعمال الكفار ومساعيهم- في فسادها وقت الحاجة وتلاشيها- بالرماد الذي تذروه الرياح وتفرقه، لشدّتها حتى لا يبقى لها أثر، ولا يجتمع منه شيء.
وتبديد ثمرة أعمال الكفار مقرر في القرآن الكريم في آيات كثيرة، منها قوله تعالى:
وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (٢٣) [الفرقان: ٢٥/ ٢٣].
حوار أهل النار
أوضح الله تعالى في قرآنه صورة متوقعة بين أهل النار وهي الجدال والحوار الحادّ بين الضعفاء والمستكبرين، وبين الأتباع والسادة، يدلّ على النّدم الشديد والتّأسف العميق، لما آل إليه الفريقان من عذاب شديد، بسبب قصر النظر وضعف الإدراك
التفسير الوسيط
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي