قَوْله تَعَالَى: يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت القَوْل الثَّابِت: كلمة التَّوْحِيد وَهِي لَا إِلَه إِلَّا الله، وَقَالَ: يثبت الله لِأَنَّهُ هُوَ الْمُثبت للْإيمَان فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ.
وَقَوله: فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا يَعْنِي: قبل الْمَوْت. وَقَوله [و] فِي الْآخِرَة أَي: فِي الْقَبْر، وَعَلِيهِ أَكثر أهل التَّفْسِير، وَقد ثَبت ذَلِك عَن النَّبِي بِرِوَايَة الْبَراء بن عَازِب، وَهُوَ قَول عبد الله بن مَسْعُود، وَعبد الله بن عَبَّاس، وَجَمَاعَة من الصَّحَابَة.
وَاعْلَم أَن سُؤال الْقَبْر ثَابت فِي السّنة، وَالْإِيمَان بِهِ وَاجِب، وَقد وَردت فِيهِ الْأَخْبَار الْكَثِيرَة، روى أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ: " أَن النَّبِي كَانَ فِي جَنَازَة، فَذكر لأَصْحَابه أَنه يدْخل على الرجل فِي قَبره ملكان ويسألانه، فَيَقُولَانِ: من رَبك؟ وَمَا دينك؟ وَمن نبيك؟ قَالَ: فَأَما الْمُؤمن فَيَقُول: رَبِّي الله، وديني الْإِسْلَام، وَنَبِي مُحَمَّد. فَيفتح لَهُ بَاب إِلَى النَّار، فَيُقَال لَهُ: هَذَا كَانَ مَكَانك لَو قلت غير هَذَا، ثمَّ يفتح لَهُ بَاب إِلَى الْجنَّة، ويفسح لَهُ فِي قَبره مد الْبَصَر. وَأما الْكَافِر فَيَقُول الْملكَانِ لَهُ: من رَبك؟ وَمَا دينك؟ وَمن نبيك؟ فَيَقُول: لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ: لَا دَريت وَلَا تليت، ثمَّ يفتح لَهُ بَاب إِلَى الْجنَّة، فَيَقُولَانِ: هَذَا مَكَانك لَو أجبْت، ثمَّ يفتح لَهُ بَاب إِلَى النَّار، ويضيق عَلَيْهِ الْقَبْر حَتَّى تخْتَلف أضلاعه، ويضربانه بِمِطْرَقَةٍ من نَار فَيَصِيح صَيْحَة يسْمعهَا كل الْخَلَائق إِلَّا الثقلَيْن ".
فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة ويضل الله الظَّالِمين وَيفْعل الله مَا يَشَاء (٢٧) ألم تَرَ إِلَى
وَفِي بعض الْأَخْبَار: " أَن النَّبِي قَالَ: لَو نجا أحد من عَذَاب الْقَبْر لنجا سعد بن معَاذ، وَلَقَد ضمه الْقَبْر ضمة أَو ضمتين " وَرُوِيَ أَن النَّبِي قَالَ لعمر: " كَيفَ بك إِذا أَتَاك ملكان... " الْخَبَر. فَقَالَ: يَا رَسُول الله، وَمَعِي عَقْلِي؟ قَالَ: نعم. قَالَ: أكفيهما إِذا ".
وَقيل: إِن عَذَاب الْقَبْر ثَلَاثَة أَثلَاث: ثلث من ترك الاستنزاه من الْبَوْل، وَثلث من الْغَيْبَة، وَثلث من الْمَشْي بالنميمة. وَالله أعلم.
وَفِي الْآيَة قَول آخر: أَن الْحَيَاة الدُّنْيَا هِيَ الْقَبْر، وَفِي الْآخِرَة هِيَ الْقِيَامَة، وَالْقَوْل الأول أصح.
وَقَوله: ويضل الله الظَّالِمين مَعْنَاهُ: أَنه لَا يهدي الْمُشْركين إِلَى هَذَا الْجَواب، وَلَا يلقنهم إِيَّاه. وَقَوله: وَيفْعل الله مَا يَشَاء من التَّوْفِيق والخذلان والتثبيت وَترك التثبيت.
تفسير السمعاني
أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي
ياسر بن إبراهيم