يُثبت اللهُ الذين آمنوا بالقول الثابت وهو : لا إله إلا الله، أو كل ما يثبت في القلب، ويتمكن فيه من الحق، بالحجة الواضحة، في الحياة الدنيا مدة حياتهم، فلا يزالون إذا افتتنوا في حياتهم، أو عند موتهم، وهي حسن الخاتمة، وفي الآخرة عند السؤال، فلا يتلعثمون إذا سُئلوا عن معتقدهم في القبر، وعند الموقف، فلا تدهشهم أهوال القيامة. رُوي أنه صلى الله عليه وسلم ذكر قبض روح المؤمن فقال :" ثُمَّ تُعَادُ رُوحه في جَسَدِهِ، فَيَأتيهِ مَلَكانِ، فيُجْلِسَانهِ فِي قَبْرهِ، ويَقُولاَنِ لَه : مَنْ رَبُّكَ، وَمَا دِينُكَ، وَمَنْ نَبِيكَ ؟ فيقول : رَبي الله، ودِيني الإسْلاَمُ، ونَبيي محمد صلى الله عليه وسلم. فينادي مُنَادٍ من السَّماءِ : أنْ صَدَقَ عَبْدِي. فذلك قوله تعالى : يُثَبِتُ اللهُ الذينَ آمنُوا بِالقَولِ الثابتِ ١. قلت : والقدرة صالحة لهذا كله. قال الغزالي : هو أشبه شيء بحال النائم.
ويُضِلُّ اللهُ الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والتقليد، فلا يهتدون إلى الحق، ولا يثبتون في مواقف الفتن. ويفعلُ الله ما يشاء ؛ من تثبيت بعض، وإضلال آخرين، من غير اعتراض عليه، ولا تعقيب لحكمه.
الإشارة : الكلمة الطيبة، هي كلمة التوحيد، والشجرة الطيبة هي شجرة الإيمان، وأصلها هو : التوحيد الثابت في القلب، وفروعها : الفرائض والواجبات، وأغصانها : السنن المؤكدات، وأوراقها : المندوبات والمستحبات، وأزهارها : الأحوال والمقامات، وأذواقها : الوجدان وحلاوة المعاملات، وانتهاء طيب أثمارها : العلوم وكشف أسرار الذات، الذي هو مقام الإحسان، وهي معرفة الشهود والعيان. فمن لم يبلغ هذا المقام لم يجْن ثمرة شجرة إيمانه. ومن نقص شيئاً من هذه الفروع نقص بقدرها من شجرة إيمانه، إما من فروعها، أو من أغصانها، أو من ورقها، أو من حلاوة أذواقها، أو مِنْ عَرْف أزهارها، أو من طيب ثمرتها. ومعلوم أن الشجرة إذا نبتت بنفسها في الخلاء، ولم تُلَقَّح كانت ذَكَّارة، تورق ولا تثمر، فهي شجرة إيمان من لا شيخ له يصلح للتربية، فإن الفروع والأوراق كثيرة، والثمار ضعيفة، أيُّ ريح هاج عليها أسقطها. وراجع ما تقدم في إشارة قوله تعالى : وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ [ المائدة : ٣٥ ]. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي