أي وإلى ربهم يفوضون أمورهم وبه يعوذون في كل ما يأتون ويذرون فإن وسوسته لا تؤثر فيهم ودعوته غير مستجابة عندهم إِنَّما سُلْطانُهُ أي ولايته بدعوته عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ أي يطيعونه وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ أي بربهم مُشْرِكُونَ (١٠٠) أي والذين هم بسبب حمل الشيطان إياهم على الشرك بالله صاروا مشركين
وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ أي وإذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكما آخر وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ من التغليظ والتخفيف في مصالح العباد وما الشرائع إلا مصالح للعباد في المعاش والمعاد فالمصالح تدور.
وهذه الجملة اعتراضية بين الشرط وجوابه لتوبيخ الكفرة على كونهم ينسبون رسول الله إلى الافتراء في التبديل وللتنبيه على فساد رأيهم. قالُوا أي الكفار من أهل مكة للنبي صلّى الله عليه وسلّم:
إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ أي مختلق من تلقاء نفسك.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: إذا نزلت آية فيها شدة، ثم نزلت آية ألين منها تقول كفار قريش والله ما محمد إلا يسخر بأصحابه اليوم يأمر بأمر وغدا ينهى عنه، وإنه لا يقول هذه الأشياء إلا من عند نفسه فأنزل الله تعالى هذه الآية بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) إن الله لا يأمر عباده إلا بما يصلح لهم وإن في النسخ حكما بالغة وإسناد هذا الحكم إلى الأكثر لما أن منهم من يعلم ذلك وإنما ينكره عنادا قُلْ نَزَّلَهُ أي القرآن رُوحُ الْقُدُسِ أي الروح المطهر من الأدناس البشرية وهو جبريل مِنْ رَبِّكَ يا أكرم الخلق بِالْحَقِّ أي بالموافق للحكمة لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا على الإيمان بأن القرآن كلام الله فإنهم إذا سمعوا الناسخ وتدبروا ما فيه من رعاية المصالح اللائقة بالحال رسخت عقائدهم واطمأنت قلوبهم وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وهذان معطوفان على «ليثبت»، فهما منصوبان باعتبار محله، ومجروران باعتبار المصدر المؤول. وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ أي كفار مكة يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ أي إنما يعلم محمدا القرآن بشر لا جبريل كما يدّعى.
قال عبد الله بن مسلم الحضرمي: عنوا عبدين لنا أحدهما يقال له: يسار، والآخر جبر وكانا يصنعان السيف بمكة ويقرءان التوراة والإنجيل وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يمر عليهما ويسمع ما يقرءانه فأجاب الله تعالى عن ذلك بقوله تعالى: لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) أي كلام الذي ينسبون إليه عبراني لم يتكلم بالعربية ولم يأت بفصيح الكلام وهذا القرآن كلام عربي ذو بيان وفصاحة، فكيف يعلم محمدا وهو جاءكم بهذا القرآن الفصيح الذي عجزتم عنه وأنتم أهل الفصاحة! فكيف يقدر من هو أعجمي على مثل هذا القرآن وأين فصاحة هذا القرآن من عجمه هذا الذي تشيرون إليه؟! فثبت بهذا الدليل أن القرآن وحي أوحاه الله إلى محمد وليس هو من تعليم الذي تشيرون إليه، ولا هو آت به من تلقاء نفسه بل هو
وحي من الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي لا يصدقون أنها من عند الله بل يسمونها افتراء أو معلمة من البشر لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ إلى طريق الجنة وَلَهُمْ في الآخرة عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) أي بل يسوقهم إلى النار إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي إن المفتري هو الذي يكذب بآيات الله ويقول: إنها افتراء ومعلمة من البشر وهذا رد لقولهم: إنما أنت مفتر وقلب للأمر عليهم ببيان أنهم هم المفترون وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٠٥) أي الكاملون في الكذب إذ لا كذب أعظم من تكذيب آيات الله تعالى مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ أي من تلفظ بكلمة الكفر من بعد إيمانه به تعالى فعليه غضب من الله. «فمن» موصولة مبتدأ وخبره محذوف لدلالة الخبر الآتي عليه إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ على التلفظ بالكفر فتلفظ به بأمر لا طاقة له به كالتخويف بالقتل وكالضرب الشديد، وكالإيلامات القوية مما يخاف على نفسه أو على عضو من أعضائه وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ أي والحال أن قلبه لم تتغير عقيدته وهذا دليل على أن الإيمان هو التصديق بالقلب وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً أي ولكن من اعتقد الكفر وانشرح به قلبا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦).
روي أن قريشا أكرهوا عمارا وأباه ياسرا وأمه سمية على الارتداد فربطوا سمية بين بعيرين وضربها أبو جهل بحربة في فرجها، فماتت وقتل ياسر. وأما عمار فأعطاهم بلسانه ما أكرهوا عليه فقيل: يا رسول الله إن عمارا كفر، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كلا إن عمارا مليء إيمانا من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه» «١». فأتى عمار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو يبكي فجعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يمسح عينه.
وقال مالك: إن عادوا لك فقل لهم ما قلت فنزلت هذه الآية ذلِكَ أي الكفر بعد الإيمان، بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ أي بسبب أنهم رجّحوا الدنيا على الآخرة وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧) أي وبأنه تعالى ما هداهم إلى الإيمان وما عصمهم عن الكفر أُولئِكَ الموصوفون بتلك القبائح الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ فأبت عن التأمل في الحق وإدراكه وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٠٨) عمّا يراد بهم في الآخرة من العذاب، فلا غفلة أعظم من الغفلة عن تدبر عواقب الأمور لا جَرَمَ أي حق أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٠٩) حيث صرفوا أعمارهم فيما أفضى بهم إلى العذاب المخلد ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا إلى المدينة أي ناصرهم مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا أي عذبوا. نزلت هذه الآية في عياش بن ربيعة أخي أبي جهل من الرضاعة أو من أمه وفي أبي
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا
محمد أمين الضناوي