ﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅ ﱿ

إن الله مع الذين اتقوا المعاصي، والذين هم محسنون في أعمالهم، أو مع الذين اتقوا الله بتعظيم أمره والذين هم محسنون بالشفقة على خلقه، أو مع الذين اتقوا العدوان في المعاقبة والذين هم محسنون إلى الناس بالعفو، فالله معهم بالولاية والفضل والعون، والنصر معية ذاتية لا كيف لها، قال أبو هريرة في الحديث المذكور الذي رواه ابن سعد وغيره :( فكفر النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه، وأمسك عن الذي أراد وصبر )، يعني : لما نزلت هذه الآيات، وروى ابن المنذر والطبراني والبيهقي عن ابن عباس نحو ما روى عن أبي هريرة رضي الله عنهم في شأن نزول الآية، وقد ذكرنا في صدر السورة رواية ابن إسحاق وابن جرير عن عطاء في نزول الآية نحوه، وروى الترمذي وحسنه، وعبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند، والنسائي وابن المنذر وابن خزيمة وابن حبان والضياء في صحيحيهما، عن أبي بن كعب قال : لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلا ومن المهاجرين ستة منهم حمزة فمثلوا بهم، فقالت الأنصار : لأن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربين عليهم، فلما كان فتح مكة أنزل الله تعالى : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين١٢٦ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نصبر ولا نعاقب، كفوا عن القوم إلا أربعة، وقال البغوي : نزلت الآية في شهداء أحد، وذلك أن المسلمين لما رأوا ما فعل المشركون بقتلاهم يوم أحد من تبقير البطون والمثلة السيئة حتى لم يبق أحد من قتلى المسلمين إلا مثل به، غير حنظلة بن الراهب غسيل الملائكة فإن أباه أبا عامر الراهب، قلت : الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عامر الفاسق كان مع أبي سفيان فتركوا حنظلة لذلك، فقال المسلمون حين رأوا ذلك : لأن أظهرنا الله عليهم لنزيدن على صنيعهم ولنمثلن بهم مثلة لم يفعلها أحد من العرب بأحد، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمه حمزة وقد جدعوا أنفه وأذنه وقطعوا مذاكيره وبقروا بطنه، وأخذت هند بنت عتبة قطعة من كبده فمضغتها ثم اشترطتها لتأكلها فلم تلبث في بطنها حتى رمت بها، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أما أنها لو أكلتها لم تدخل النار أبدا، حمزة أكرم على الله من أن يدخل شيئا من جسده النار، فلما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمه حمزة نظر إلى شيء لم ينظر إلى شيء قط كان أوجع لقلبه منه، فقال صلى الله عليه وسلم : رحمة الله عليك أبا السائب، فإنك ما علمت ما كنت إلا فعالا للخيرات، وصولا للرحم، ولولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أفواج شتى، أما والله لأن ظفرني الله بهم لأمثلن منهم بسبعين مكانك، فأنزل الله تعالى هذه الآيات، فقال صلى الله عليه وسلم : بل نصبر، وأمسك عما أراد وكفر عن يمينه.
فائدة : حديث أبي بن كعب يدل على تأخر نزول الآيات إلى الفتح، وفي حديث أبي هريرة وابن عباس وعطاء بن يسار رضي الله عنهم نزولها بأحد، وجمع ابن الحصار بأنها نزلت أولا بمكة ثم بأحد ثم ثالثا بعد الفتح تذكيرا من الله لعباده، قال البغوي : قال ابن عباس والضحاك رضي الله عنهم : كان حكم هذه الآية قبل نزول براءة حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال من قاتله ومنع من الابتداء بالقتال، فلما أعز الله الإسلام وأهله ونزلت براءة وأمروا بالجهاد نسخت هذه الآية، وقال النخعي والثوري والسدي ومجاهد وابن سيرين رحمهم الله : الآية محكمة نزلت فيمن ظلم بظلامة، فلا يحل أن ينال من ظالمه أكثر مما نال الظالم منه أمر بالجزاء أو العفو ومنع من الاعتداء، مسألة : المثلة لا يجوز إجماعا، روى ابن إسحاق عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال : ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام قط ففارقه حتى أمر بالصدقة ونهى عن المثلة، وقد روى في النهي عن المثلة أحاديث كثيرة والله أعلم.
تم تفسيره سورة النحل من التفسير المظهري، ويتلوه إن شاء الله تعالى تفسير سورة بني إسرائيل ثاني رجب من السنة الثانية بعد المائتين وألف سنة ١٢٠٢ من الهجرة، والحمد لله والصلاة والسلام على رسوله و آله وأصحابه أجمعين.

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير