تفسير المفردات : والروح : الوحي وهو قائم في الدين مقام الروح من الجسد، فهو محيي القلوب التي أماتها الجهل. من أمره : أي بأمره ومن أجله. انذروا : أي خوفوا فاتقون : أي خافوا عقابي، لمخالفة أمري وعبادة غيري.
المعنى الجملي : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخوّف المشركين تارة بعذاب الدنيا من قتل وأسر كما حدث يوم بدر، وتارة بعذاب الآخرة، ثم إنهم لما لم يشاهدوا شيئا من ذلك احتجوا بذلك على تكذيبه وطلبوا منه الإتيان بذلك العذاب روي أنه لما نزل قوله تعالى : اقتربت الساعة وانشق القمر [ القمر : ١ ] قال الكافرون حين خلوا إلى شياطينهم إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت فأمسكوا عن بعض ما تعملون، حتى ينظر ما هو كائن، فلما تأخرت قالوا ما نرى شيئا مما يخوفنا به، فنزل قوله تعالى : اقترب للناس حسابهم [ الأنبياء : ١ ] فأشفقوا وانتظروا، فلما امتدت الأيام قالوا : يا محمد ما نرى شيئا مما تخوفنا به فنزل قوله : أتى أمر الله فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع الناس رؤوسهم فنزل قوله : فلا تستعجلوه .
الإيضاح : ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقوني أي ينزل سبحانه ملائكته بالوحي إلى من يريد من عباده المصطفين الأخيار، أن أنذروا عبادي أن إله الخلق واحد لا إله إلا هو، وأنه لا تنبغي الألوهية إلا له، ولا يصلح أن يعبد شيء سواه، فاحذروه وأخلصوا له العبادة، فإن في ذلك نجاتكم من الهلكة، وقد جاء ذكر الروح بمعنى الوحي في قوله : وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان [ الشورى : ٥٢ ] وفي قوله : يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده [ غافر : ١٥ ].
والمراد بقوله : من أمره بيان أن ذلك التنزيل والنزول لا يكونان إلا بأمره تعالى كما قال حكاية عن الملائكة : وما نتنزل إلا بأمر ربك [ مريم : ٦٤ ] وقال : لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون [ الأنبياء : ٢٧ ] وقال : يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون [ النحل : ٥٠ ] وقال : لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون [ التحريم : ٦ ] ففي كل ذلك دليل على أن الملائكة لا يقدمون على عمل إلا بأمره تعالى وإذنه.
وفي الآية إيماء إلى أن الوحي من الله إلى أنبيائه لا يكون إلا بوساطة الملائكة، ويؤيد ذلك قوله : والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله [ البقرة : ٢٨٥ ] فقد بدأ بذكر الملائكة، لأنهم هم الذين يتلقّون الوحي من الله بلا وساطة، وذلك الوحي هو الكتب، وهم يوصلون هذا الوحي إلى الأنبياء – لا جرم جاء الترتيب على هذا الوضع.
تفسير المراغي
المراغي