ﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩ

قوله " لِيَحملُوا " لمَّا حكى شبهتهم قال :" لِيَحْمِلُوا " وفي هذه اللام ثلاثة أوجهٍ :
أحدها : أنها لامُ الأمر الجازمة على معنى الحتم عليهم، والصغار الموجب لهم، وعلى هذا فقد تمَّ الكلام عند قوله :" الأوَّلِينَ " ثم استؤنف أمرهم بذلك.
الثاني : أنها لام العاقبة، أي : كان عاقبة [ قولهم ]١ ذلك ؛ لأنَّهم لم يقولوا أساطير ليحملوا ؛ فهو كقوله تعالى : لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً [ القصص : ٨ ].
قال :[ الوافر ]

٣٣٠٩- لِدُوا لِلْمَوْتِ وابْنُوا للخَرابِ . . . . . . . . . . . . . . . . . ٢
الثالث : أنها للتعليل، وفيه وجهان :
أحدهما : أنه تعليل مجازي.
قال الزمخشريُّ رحمه الله : واللام للتعليل من غير أن تكون غرضاً ؛ نحو قولك " خَرجْتُ مِنَ البَلدِ مَخافَةَ الشَّرِّ ".
والثاني : أنه تعليلٌ حقيقة.
قال ابن عطيَّة٣ بعد حكاية وجه لامِ العاقبةِ :" ويحتمل أن يكون صريح لام كي ؛ على معنى قدِّر هذا ؛ لكذا " انتهى.
لكنه لم يعلِّقها بقوله " قَالُوا " إنما قدَّر لها عاملاً، وهو " قدَّر " هذا.
وعلى قول الزمخشري يتعلق ب " قَالُوا " لأنها ليست لحقيقة العلَّة، و " كَامِلةً " حالٌ، والمعنى لا يخفَّف من عقابهم شيءٌ، بل يوصل ذلك العقاب بكليته إليهم، وهذا يدل على أنَّه - تعالى - قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين إذ لو كان هذا المعنى حاصلاً للكل، لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفَّار بهذا التكميل فائدة.
قال - صلوات الله وسلامه عليه- :" أيُّمَا دَاعٍ دَعَى إلى الهُدَى، فاتُّبعَ، كَانَ لهُ مِثْلُ أجْرِ مَن اتَّبعَهُ لا يَنقصُ مِنْ أجُورِهِمْ شيءٌ، وأيُّمَا داعٍ دَعَى إلى الضَّلالِ فاتُّبعَ ؛ كَان عَليْهِ وِزْرُ من اتَّبعَه لا ينقص مِنْ آثامهمْ شيءٌ٤ ".
قوله : وَمِنْ أوْزَارِ فيه وجهان :
أحدهما : أنَّ " مِنْ " مزيدة، وهو قول الأخفش، أي : وأوزار الذين، على معنى : ومثل أوزار ؛ كقوله - عليه الصلاة والسلام- :" كَانَ عَليْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ منْ عَمِلَ بِهَا٥ ".
الثاني : أنها غير مزيدة، وهي للتبعيض، أي : وبعض أوزار الذين، وقدَّر أبو البقاءِ : مفعولاً حذف، وهذه صفته، أي : وأوزار من أوزار، ولا بد من حذف " مثل " أيضاً.
ومنع الواحديُّ أن تكون " مِنْ " للتبعيض، قال :" لأنَّهُ يستلزم تخفيف الأوزار عن الأتباع، وهو غير جائز، لقوله - صلوات الله وسلامه عليه- :" مِنْ غَيْرِ أن يَنقُصَ مِنْ أوْزَارِهِمْ شيء " لكنها للجنس، أي : ليحملوا من جنس أوزار الأتباع ".
قال أبو حيان٦ :" والتي لبيان الجنس لا تقدَّر هكذا ؛ وإنَّما تقدر الأوزار التي هي أوزارُ الذين يذلونهم فهو من حيث المعنى موافق لقول الأخفش، وإن اختلفا في التقدير ".
قوله تعالى : بِغَيْرِ عِلْمٍ حال وفي صاحبها وجهان :
أحدهما : أنه مفعول يُضِلُّونَ " أي : يضلون من لا يعلم أنهم ضلالٌ ؛ قاله الزمخشريُّ.
والثاني : أنه الفاعل، ورجِّح هذا بأنَّه المحدث عنه، وتقدم الكلام في إعراب نحو :" سَاء مَا يَزرُونَ " وأنَّها قد تجري مجرى بِئْسَ، والمقصود منه المبالغة في الزَّجْرِ.
فإن قيل : إنه - تعالى - حكى هذه الشُّبهة عنهم، ولم يجب عنها، بل اقتصر على محض الوعيد، فما السبب فيه ؟.
فالجواب : أنه - تعالى - بين كون القرآن معجزاً بطريقين :
الأول : أنه - صلوات الله وسلامه عليه - تحدَّاهم تارة بكل القرآن، وتارة بعشر سورٍ، وتارة بسورةٍ واحدةٍ، وتارة بحديثٍ واحدٍ، وعجزوا عن المعارضة ؛ وذلك يدل على كون القرآن معجزاً.
الثاني : أنه - تعالى - حكى هذه الشُّبهة بعينها في قوله : اكتتبها فَهِيَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً [ الفرقان : ٥ ]، وأبطلها بقوله : قُلْ أَنزَلَهُ الذي يَعْلَمُ السر فِي السماوات [ الفرقان : ٦ ] أي : أنَّ القرآن مشتملٌ على الإخبارِ عن الغيوب، وذلك لا يتأتَّى إلا ممَّن يكون عالماً بأسرار السماوات، والأرض، ولما ثبت كون القرآن معجزاً بهذين الطريقين، وتكرر شرحهما مراراً ؛ لا جرم اقتصر ههنا على مجرد الوعيد.
١ في ب: أمرهم..
٢ تقدم..
٣ ينظر: المحرر الوجيز ٣/٣٨٧..
٤ أخرجه بهذا اللفظ الطبري في "تفسيره" (٧/٥٧٦) عن الربيع بن أنس مرسلا وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٢١٧) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.
وله شاهد من حديث أنس أخرجه ابن ماجه (٢٠٥).
وقال البوصيري في الزوائد: إسناده ضعيف.
وللحديث شاهد قوي من حديث أبي هريرة.
أخرجه مسلم (٤/٢٠٦٠) كتاب العلم: من سن سنة حسنة (١٦/٢٦٧٤) وابن ماجه (١/٧٥) المقدمة: باب من سن سنة حسنة أو سيئة (٢٠٦) وأبو داود (٤٦٠٩) والترمذي (٢٦٧٤).
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح..

٥ انظر: الحديث السابق..
٦ ينظر: البحر المحيط ٥/٤٧٠..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية