لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً أي قالوا : هذه المقالة لكي يحملوا أوزارهم كاملة. لم يكفر منها شيء لعدم إسلامهم الذي هو سبب لتكفير الذنوب. وقيل : إن اللام هي لام العاقبة، لأنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير لأجل يحملون الأوزار، ولكن لما كان عاقبتهم ذلك حسن التعليل به كقوله : لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً [ القصص : ٨ ]. وقيل : هي لام الأمر وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ أي : ويحملون بعض أوزار الذين أضلوهم، لأن من سنّ سنّة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها. وقيل :«من » للجنس، لا للتبعيض أي : يحملون كل أوزار الذين يضلونهم، ومحلّ بِغَيْرِ عِلْمٍ النصب على الحال من فاعل يضلونهم أي : يضلون الناس جاهلين غير عالمين بما يدعونهم إليه، ولا عارفين بما يلزمهم من الآثام. وقيل : إنه حال من المفعول أي : يضلون من لا علم له، ومثل هذه الآية : وَلَيَحْمِلنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ
[ العنكبوت : ١٣ ]. وقد تقدّم في الأنعام الكلام على قوله : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى [ الأنعام : ١٦٤ ] أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ أي : بئس شيئاً يزرونه ذلك.
وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله : لاَ جَرَمَ يقول : بلى. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك لاَ جَرَمَ قال : يعني الحق. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال : لا كذب. وأخرج مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه وغيرهم عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرّة من إيمان )، فقال رجل : يا رسول الله، الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً، فقال :( إن الله جميل يحبّ الجمال، الكبر بطر الحق وغمص الناس ) وفي ذمّ الكبر، ومدح التواضع أحاديث كثيرة، وكذلك في إخراج محبة حسن الثوب وحسن النعل، ونحو ذلك من الكبر أحاديث كثيرة. والحاصل أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بيّن ماهية الكبر أنه بطر الحق وغمص الناس، فهذا هو الكبر المذموم. وقد ساق صاحب الدرّ المنثور عند تفسيره لهذه الآية : أعني قوله سبحانه : إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المستكبرين أحاديث كثيرة ليس هذا مقام إيرادها، بل المقام مقام ذكر ما له علاقة بتفسير الكتاب العزيز. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : قَالُوا أساطير الأولين أن ناساً من مشركي العرب كانوا يقعدون بطريق من أتى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، فإذا مرّوا سألوهم فأخبروهم بما سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنما هو أساطير الأوّلين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ الآية يقول يحملون مع ذنوبهم ذنوب الذين يضلونهم بغير علم. وذلك مثل قوله سبحانه : وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ [ العنكبوت : ١٣ ]. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه، وزاد : ولا يخفف ذلك عمن أطاعهم من العذاب شيئاً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : قَدْ مَكَرَ الذين مِنْ قَبْلِهِمْ قال : نمروذ بن كنعان حين بنى الصرح. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير عن زيد بن أسلم أنه النمروذ أيضاً. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : فَأَتَى الله بنيانهم مّنَ القواعد قال : أتاها أمر الله من أصلها فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ والسقف : أعالي البيوت فائتكفت بهم بيوتهم، فأهلكم الله ودمرهم وأتاهم العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس تشاقون فِيهِمْ قال : تخالفوني.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني