ﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱ

و من دابة : يحتمل أن يكون بيانًا ل ما في السماوات وما في الأرض معًا ؛ لأن كل حيوان يصح أن يوصف بأنه يدب، ويحتمل أن يكون بيانًا ل ما في الأرض خاصة، فعلى الأولى : يكون عطف الملائكة عليه، من عطف الخاص على العام ؛ تشريفًا لهم، وعلى الثاني : من عطف المباين.
ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض أي : ينقاد لإرادته، وتأثير قدرته ؛ طبعًا، ولتكليفه وأمره ؛ طوعًا ؛ ليصح إسناده إلى عامة أهل السماوات والأرض. وقوله : من دابة : بيان لهما ؛ لأن الدبيب هو الحركة الجسمانية، سواء كان في أرض أو سماء، والملائكةُ ؛ عطف على المبين به، عطف خاص على عام، أو عطف المجردات على الجسمانيات، وبه احتج من قال : إن الملائكة أرواح مجردة. قاله البيضاوي. قلت : وهو خلاف الجمهور. بل الملائكة : أجسام لطيفة نورانية متحيزة، لها مادة نورانية وتشكيل مخصوص، غير أن الله تعالى أعطاها قوة التشكيل ؛ لأنها قريبة من أسرار المعاني الأزلية. وعبَّر الحق تعالى ب " ما " ؛ ليشمل العقلاء وغيرهم.
ثم قال تعالى في وصف الملائكة : وهم لا يستكبرون عن عبادته.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : كل ما دخل تحت عالم التكوين لزمته العبودية، وأحاطت به القهرية، فلا بدّ من الخضوع لأحكام الواحد القهار، تكليفية كانت أو تعريفية، فمن لم ينقد لها بملاطفة الإحسان، قيد بسلاسل الامتحان. وبهذا امتاز الخصوص من العموم، فالخصوص علموا أن سلسلة الأقدار في عنقهم، تجرهم إلى مراد ربهم، فاستسلموا لها، وانقادوا، وخضعوا، وتأدبوا لها، فاستحقوا التقريب والاصطفائية. والعموم جهلوا هذه السلسلة، أو علموها، ولم يقدروا على الاستسلام لها ؛ فاستحقوا البُعد من حضرة الحق ؛ إذ لا يدخلها إلا أهل التهذيب والتأديب. وبالله التوفيق.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير