الإنس؛ لأنه لما وصفهم بالطاعة أشبهوا ما يعقل (١).
٤٩ - قوله تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الآية. قد ذكرنا السجود يكون على نوعين: سجود هو عبادة؛ كسجود المسلمين لله، وسجود هو خضوع واستكانة؛ وهو سجود ما [لا] (٢) يعقل وسجود الجمادات، فإن هذه الأشياء بما فيها من الدلالة على الحاجة إلى مُدَبَّر وصانع ساجدة؛ أي خاضعة متذللة، وقال: مَا فِي السَّمَاوَاتِ لأن (ما) و (من) يتعاقبان، و (ما) أعمّ من (من) ألا ترى أنه قد قال في أخرى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [الرعد: ١٥].
وقوله تعالى: مِنْ دَابَّةٍ قال الفراء: دخل (من) هاهنا؛ لأن (ما) مُبْهم، فلو أسقطت (من) لأشبه أن تكون الدابة حالاً لها، فأدخل (من) ليدُلّ (٣) على أنه تفسير لـ (ما) (٤)، ومثل هذا كثير في كتاب الله؛ قال تعالى: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ [النساء: ٧٩]، وقال: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ [النساء: ١٢٤]، وقال: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ [النحل: ٤٨] لم يقل في شيء منه بطرح (مِنْ)؛ لما ذكرنا من أنّ (ما) و (مِنْ) غير مؤقّتتين (٥)، ومثله قول الشاعر:
(٢) إضافة يقتضيها السياق ليستقيم المعنى، ويؤيده ثبوتها في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي ٢/ ٤٠٠.
(٣) في (أ)، (د): (البدل)، والمثبت من (ش)، (ع)، وهو الصواب، يستقيم به المعنى، ويؤيده المصدر.
(٤) في (ش)، (ع): (لها).
(٥) أي: غير محددتين.
| فثبتَ اللهُ ما آتاك من حَسَنٍ | وحيثُ ما يقض أمرًا صالحًا يكن (١) |
| عُمْرًا حَييت ومَن يشناك من أحد | يَلْق الهوان ويلق الذُلَّ والغِيَرا (٢) |
حاز لك الله ما آتاك من حَسَنٍ
(٢) ورد غير منسوب في "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٠٣.
(٣) ورد في "جمهرة الأمثال" ٢/ ٢١٠، وانظر: "مجمع الأمثال" ٢/ ١٩٠، و"اللسان" (عجب) ٥/ ٢٨١٢، (درر) ٣/ ١٣٥٦، وورد برواية: (لله درُّك)، والأصل فيه أن الرجل إذا كَثُر خيرُه وعطاؤهُ قيل له ذلك، إشادةً وتعجبًا، ثم قيل لكل مُتَعَجبٌ منه.
(٤) أي في المثل؛ لأن أصله أن يقال: لله درُّه من رجل.
(٥) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٠٣ - ١٠٤، نقل طويل تصرف فيه بالتقديم والتأخير، والاختصار والتهذيب، والتمثيل والتوضح.
(٦) أي: ما أتاني من الرجال مثله، فأفاد الإفراد معنى الجمع. "معاني القرآن" للأخفش ٢/ ٦٠٦، بنصه.
(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).
يريد كلَّ ما (١) دَبَّ على الأرض (٢).
وقوله تعالى: وَالْمَلَائِكَةُ أخرجهم بالذكر تخصيصًا وتفصيلاً؛ كقوله: فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٣) [الرحمن: ٦٨]، وقوله تعالى: لَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ (٤) [البقرة: ٩٨] وقال الزجاج: المعنى: ولله يسجد ما في السموات من الملائكة، وما في الأرض من دابة والملائكة؛ أي: وتسجد ملائكة الأرض (٥)، وفي الأرض ملائكة موكلون بالعباد (٦)، وقيل: إنما ذكرهم على التخصيص لخروجهم من صفة الدبيب بما جعل لهم من الأجنحة (٧)، والله أعلم.
وقوله تعالى: وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ قال ابن عباس: يريد عن عبادة الله (٨)، وهذا صفة من يسجد لله سجود عبادة، فأما من له سجود الخضوع
(٢) انظر: "تفسير الفخر الرازي" ٢٠/ ٤٤، وأبي حيان ٥/ ٤٩٨، و"تفسير القرطبي" ١٠/ ١١٢، بلا نسبة.
(٣) يقصد ذكر الخاص بعد العام؛ فذكر الفاكهة عمومًا، ثم فصل في أنواعها وخص من الأنواع النخل والرمان.
(٤) وهنا كذلك، أجمل الملائكة، ثم فصَّلهم وخصّ منهم جبريل وميكال بالذكر.
(٥) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢٠٢، بنصه.
(٦) لقوله تعالى: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: ١٨]، وغيرها من الأدلة.
(٧) ورد في "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥٨ أ، بنحوه، و"تفسير الماوردي" ٣/ ١٩٢، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" ٥/ ٢٣، وابن الجوزي ٤/ ٤٥٤، و"تفسير القرطبي" ١٠/ ١١٣.
(٨) انظر: "تفسير القرطبي" ١٠/ ١١٣، وابن كثير ٢/ ٦٣٠، وأبي السعود ٥/ ١١٩، و"الشوكاني" ٣/ ٢٣٨، و"تفسير الألوسي" ١٤/ ١٥٨، كلها بلا نسبة.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي