ﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭ

إنِ الْعَقْلُ فِي أموالنا لا نضق بِهِ ذراعًا وإن صبرًا فَنعرفُ للصبر «١»
أراد: إن يكن فأضمرها. ولو جعلت (ما بِكُمْ) فِي معنى (الَّذِي) جاز وجعلت صلته (بِكم) و (ما) حينئذ فِي موضع رفع بقوله (فَمِنَ اللَّهِ) وأدخل الفاء كما قَالَ تبارك وتعالى (قُلْ إِنَّ «٢» الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ) وكل اسم وصل، مثل من وما والذي فقد يَجوز «٣» دخول الفاء فِي خبره لأنه مضارع للجزاء والجزاء قد يُجاب بالفاء. ولا يَجوز أخوك فهو قائم لأنه اسم غير موصول وكذلك مالك لي. فإن قلت: مالك جاز أن تَقُولَ: فهو لي. وإن ألقيت الفاء فصواب.
وما ورد عليك فقسه عَلَى هَذَا. وكذلك النكرة الموصولة. تَقُولُ: رجل يقول الحق فهو أحب إليّ من قائل الباطل. وإلقاء الفاء أجود فِي كله من دخولها.
والجُؤار «٤» : الصوت الشديد. والثور يُقال لَهُ: قد جأرَ يَجْأَرُ جُؤارًا إذا ارتفعَ صوته من جوع أو غيره بالجيم. وكذلك (فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ)
وقوله: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ [٥٧] نصب «٥» لأنها مصدر، وفيها معنى من التعوّذ والتنزيه لله عَزَّ وَجَلَّ. فكأنّها بِمنزلة قوله (مَعاذَ «٦» اللَّهِ) وبمنزلة (غُفْرانَكَ «٧» رَبَّنا).
وقوله: (لَهُمْ ما يَشْتَهُونَ) (ما) فِي موضع رفع ولو كانت نصبًا عَلَى: ويَجعلونَ لأنفسهم ما يشتهونَ لكان ذَلِكَ صوابًا. وإنمَّا اخترت الرفع لأن مثل ذا من الكلام يجعل مكان لهم لأنفسهم
(١) ورد البيت فى أمالى ابن الشجري ٢/ ٢٣٦، وقال: «أراد» إن يكن العقل أي إن تكن الدية، وقوله:
(وإن صبرا) أي وإن نصبر صبرا بمعنى نحبس حبسا» وقوله: «نحبس» بالبناء للمفعول، وكانه يريد الحبس للقصاص، وقوله: فنعرف للصبر أي نخضع له ونقر.
(٢) الآية ٨ سورة الجمعة.
(٣) ش: «يجاز».
(٤) أي فى قوله تعالى فى الآية (فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ).
(٥) الحديث عن (سبحانه).
(٦) فى الآيتين ٢٣، ٧٩ سورة يوسف.
(٧) فى الآية ٢٨٥ سورة البقرة.

صفحة رقم 105

ألا ترى أنك تَقُولُ: قد جعلت لنفسك كذا وكذا، ولا تَقُولُ: قد جعلت لك. وكل فعل أو خافض ذكرته من مكني عائد عَلَيْهِ مكنيًّا فاجعل مخفوضه الثاني بالنفس فنقول أنت لنفسك لا لغيرك، ثُمَّ تَقُولُ فِي المنصوب أنت قتلت نفسك وَفِي المرفوع أهلكتْكَ نفسك ولا تَقُولُ أهْلَكتك.
وإنَّما أراد بإدخال النفس تفرقة ما بين نفس المتكلم وغيره. فإذا كَانَ الفعل واقعًا من مكنيّ عَلَى مكنيّ سواه لَمْ تُدخل النفس. تَقُولُ غلامك أهلك مالك ثُمَّ تكني عَن الغلام والمال فتقول: هُوَ أهلكه، ولا تَقُولُ: هُوَ أهلك نفسه وأنت تريدُ المال، وقد تقوله العرب فِي ظننت وأخواتها من رأيت وعلمت وحسبت فيقولون: أظنُّني قائِمًا، ووجدتُني صالِحًا لنقصانِهما وحاجتهما إلى خبر سوى الاسم. وربما اضطر الشاعر فقال: عدمتُني وفقدتُني فهو جائز، وإن كَانَ قليلًا قَالَ الشاعر- وهو جِرَان الْعَوْد-:

لقد كَانَ بي عَن ضَرَّتين عدِمتُني وعمَا ألاقي منهما متَزحَزَح
هي الْغُول والسعلاة حَلْقي منهما مُخَدَّشُ ما فوق التراقي مكدَّح
وقوله: ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا [٥٨] ولو كَانَ (ظل وجهه مسودٌّ) لكان صوابًا تجعل الظّلول للرجل ويكون «١» الوجه ومسود فِي موضع نصب كما قَالَ (وَيَوْمَ «٢» الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) والظلول إذا قلت [٩٦ ا] (مُسْوَدًّا) للوجه.
وقوله: أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ [٥٩] الْهُون فِي لغة قريش: الهوان وبعض بني تَميم يجعل الهون مصدرًا للشيء الهين. قَالَ الْكِسَائي: سمعتُ العرب تَقُولُ: إن كنت لقليل هون المئونة مذ اليوم. وقال: سمعت
(١) فى ش، ر «قد يكون».
(٢) الآية ٦٠ سورة الزمر.

صفحة رقم 106

معاني القرآن للفراء

عرض الكتاب
المؤلف

أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي الفراء

تحقيق

أحمد يوسف نجاتي

الناشر دار المصرية للتأليف والترجمة - مصر
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف ألفاظ القرآن
اللغة العربية