ﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋ

إن الله يأمر بالعدل والإحسان ، لفظ العدل يقتضي المساواة، ومنه يقال للفدية والجزاء عدلا، باعتبار معنى المساواة، ومنه قوله تعالى : أو عدل ذلك صياما ، ١ أن تعدلوا بين النساء ٢، يعني : تسووا بينهن في كل شيء، فمعنى الآية : إن الله يأمر بالعدل ، أي : بالمساواة في المكافآت إن خيرا فخير وإن شرا فشر. والإحسان أن يقابل الخير بأكثر وأفضل منه، والشر بأقل وأسهل منه، وبالمساواة بين المدعي والمدعى عليه إذا حكم بينهما، يعني : لا يميل إلى أحدهما، بل يسوي بينهما ويحكم بما قضى الله تعالى، قلت : أو المراد بالعدل : الاستقامة على الحق، ضد الجور : وهو الميلان عن الحق، في القاموس : العدل : ضد الجور، وما قام في النفوس أنه مستقيم، وقيل : المراد بالعدل : التوسط بين الأمور، كالتوحيد المتوسط بين التعطيل والتشريك، والقول بالكسب المتوسط بين الجبر والقدر، والتعبد بالواجبات والنوافل بحيث لا يفوت حقا من حقوق الله، والعبادة المتوسطتين البطالة والترهب، والجود المتوسط بين البخل والتبذير، والشجاعة المتوسط بين الجبن والتهور، والعفة المتوسطة بين الفجور والحصر، قال البغوي : وروي عن ابن عباس : العدل : التوحيد، والإحسان : أداء الفرائض، وعنه : الإحسان : الإخلاص في التوحيد، وذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم :( الإحسان أن تعبد ربك كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك )٣، رواه الشيخان في الصحيحين في حديث سؤال جبرئيل عن عمر بن الخطاب. وقال مقاتل : العدل : التوحيد، والإحسان : العفو عن الناس، وقيل : العدل الفريضة ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :( لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا )٤، لا يعني نافلة ولا فريضة، الإحسان النافلة ؛ لأن الفرض أن يقع فيه تفريط تجبره النافلة. وإيتاء ذي القربى ، أي : إعطاء ذي قرابته ما يحتاج إليه، يعني : صلة الرحم. وينهى عن الفحشاء ، أي : ما اشتد قبحه قولا أو فعلا، وقال ابن عباس : الزنى. والمنكر ، أي : ما أنكره الشرع والعقل السليم. والبغي ، أي : الكبر والظلم، قال البيضاوي : الفحشاء : الإفراط في متابعة القوة الشهوية كالزنى، فإنه أقبح أحوال الإنسان وأشنعها، والمنكر : ما ينكر عن تعاطيه في آثاره القوة الغضبية، والبغي : هو الاستعلاء والاستيلاء على الناس والتجبر عليهم، فإنها الشيطنة التي هي مقتضى القوة الوهمية، ولا يوجد من الإنسان شر إلا وهو مندرج في هذه الأقسام، صادر بتوسط إحدى هذه القوى الثلاث، ولذلك قال ابن مسعود : أجمع آية في القرآن هذه، قلت : أخرجه سعيد بن منصور، والبخاري في الأدب، ومحمد بن نصر، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان، وأخرج أحمد والبخاري في الأدب، وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس : إن تلك الآية صارت سببا لإسلام عثمان بن مظعون، وقال البغوي : قال ابن عيينة : العدل : استواء السر والعلانية، والإحسان أن يكون سريرته أحسن من العلانية، والفحشاء والمنكر : أن يكون علانيته أحسن من سريرته. يعظكم ، بالأمر والنهي، والتمييز بين الخير والشر. لعلكم تذكرون ، تتعظون، قال البيضاوي : لو لم يكن في القرآن غير هذه الآية، لصدق عليه أنه تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة للمسلمين. قال البغوي : قال أيوب عن عكرمة : إن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية على الوليد، فقال له : يا ابن أخي أعد، فأعاد عليه، فقال : إن له والله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هو قول البشر.

١ سورة المائدة، الآية: ٩٥..
٢ سورة النساء، الآية: ١٢٩..
٣ أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عز الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة (٥٠) وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان (٩)..
٤ أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: ما يكره من التعمق والتنازع في العلم والغلو في الدين والبدع (٦٨٧٠)..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير