للحق تبارك وتعالى في هذه الآية ثلاثة أوامر : العدل، والإحسان، وإيتاء ذي القربى. وثلاثة نواه : عن الفحشاء والمنكر والبغي. ولما نزلت هذه الآية قال ابن مسعود : أجمع آيات القرآن للخير هذه الآية ؛ لأنها جمعت كل الفضائل التي يمكن أن تكون في القرآن الكريم.
ولذلك سيدنا عثمان بن مظعون كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب له أن يسلم، وكان يعرض عليه الإسلام دائماً، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحب عرض الإسلام على أحد إلا إذا كان يرى فيه مخايل وشيماً تحسن في الإسلام.
وكأنه صلى الله عليه وسلم ضن بهذه المخايل أن تكون في غير مسلم، لذلك كان حريصاً على إسلامه وكثيراً ما يعرضه عليه، إلا أن سيدنا عثمان بن مظعون تريث في الأمر، إلى أن جلس مع الرسول صلى الله عليه وسلم في مجلس، فرآه رفع بصره إلى السماء ثم تنبه، فقال له ابن مظعون : ما حدث يا رسول الله ؟ فقال : إن جبريل عليه السلام قد نزل علي الساعة بقول الله تعالى :
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون " ٩٠ " ( سورة النحل ).
قال ابن مظعون رضي الله عنه : فاستقر حب الإيمان في قلبي بهذه الآية الجامعة لكل خصال الخير. ثم ذهب فأخبر أبا طالب، فلما سمع أبو طالب ما قاله ابن مظعون في هذه الآية قال : يا معشر قريش آمنوا بالذي جاء به محمد، فإنه قد جاءكم بأحسن الأخلاق.
ويروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعرض نفسه على قبائل العرب، وكان معه أبو بكر وعلي، قال علي : فإذا بمجلس عليه وقار ومهابة، فأقبل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقام إليه مقرون بن عمرو، وكان من شيبان ابن ثعلبة فقال : إلى أي شيء تدعونا يا أخا قريش ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون " ٩٠ " ( سورة النحل ). فقال مقرون : إنك دعوت إلى مكارم الأخلاق وأحسن الأعمال، أفكت قريش إن خاصمتك وظاهرت عليك.
أخذ عثمان بن مظعون هذه الآية، ونقلها إلى عكرمة بن أبي جهل، فأخذها عكرمة ونقلها إلى الوليد بن المغيرة، وقال له : إن آية نزلت على محمد تقول كذا وكذا، فأفكر الوليد بن المغيرة أي : فكر فيما سمع وقال : والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وأنه يعلو ولا يعلى عليه، وما هو بقول بشر.
ومع شهادته هذه إلا أنه لم يؤمن، فقالوا : حسبه أنه شهد للقرآن وهو كافر. وهكذا دخلت هذه الآية قلوب هؤلاء القوم، واستقرت في أفئدتهم ؛ لأنها آية جامعة مانعة، دعت لكل خير، ونهت عن كل شر. قوله : إن الله يأمر بالعدل.. " ٩٠ " ( سورة النحل ).
ما العدل ؟ العدل هو الإنصاف والمساواة وعدم الميل ؛ لأنه لا يكون إلا بين شيئين متناقضين، لذلك سمي الحاكم العادل منصفاً ؛ لأنه إذا مثل الخصمان أمامه جعل لكل منهما نصف تكوينه، وكأنه قسم نفسه نصفين، لا يميل لأحدهما ولا قيد شعرة، هذا هو الإنصاف.
ومن أجل الإنصاف جعل الميزان، والميزان تختلف دقته حسب الموزون، فحساسية ميزان البر غير حساسية ميزان الجواهر مثلاً، وتتناهى دقة الميزان عند أصحاب صناعة العقاقير الطبية، حيث أقل زيادة في الميزان يمكن أن تحول الدواء إلى سم، وقد شاهدنا تطوراً كبيراً في الموازين، حتى أصبحنا نزن أقل ما يمكن تصوره.
والعدل دائر في كل أقضية الحياة من القمة في شهادة ألا إله إلا الله، إلى إماطة الأذى عن الطريق، فالعدل مطلوب في أمور التكليف كلها، في الأمور العقدية التي هي عمل القلب، وكذلك مطلوب في الأمور العملية التي هي أعمال الجوارح في حركة الحياة.
فكيف يكون العدل في الأمور العقدية ؟.
لو نظرنا إلى معتقدات الكفار لوجدنا بعضهم يقول بعدم وجود إله في الكون، فأنكروا وجوده سبحانه مطلقاً، وآخرون يقولون بتعدد الآلهة، هكذا تناقضت الأقوال وتباعدت الآراء، فجاء العدل في الإسلام، فالإله واحد لا شريك له، منزه عما يشبه الحوادث، كما وقف موقف العدل في صفاته سبحانه وتعالى. فلله سمع، ولكن ليس كأسماع المحدثات، لا ننفي عنه سبحانه مثل هذه الصفات فنكون من المعطلة، ولا نشبهه سبحانه بغيره فنكون من المشبهة، بل نقول : ليس كمثله شيء، ونقف موقف العدل والوسطية.
كذلك من الأمور العقدية التي تجلي فيها عدل الإسلام قضية الجبر والاختيار، حيث اختار موقفاً وسطاً بين من يقول إن الإنسان يفعل أفعاله باختياره دون دخل لله سبحانه في أعمال العبد ؛ ولذلك رتب عليها ثواباً وعقاباً. ومن يقول : لا ؛ بل كل الأعمال من الله والعبد مجبر عليها.
فيأتي الإسلام بالعدالة والوسطية في هذه القضية فيقول : بل الإنسان يعمل أعماله الاختيارية بالقوة التي خلقها الله فيه للاختيار.
وفي التشريع والأحكام حدث تباين كبير بين شريعة موسى عليه السلام وبين شريعة عيسى عليه السلام في القصاص مثلاً : في شريعة موسى حيث طغت المادية على بني إسرائيل حتى قالوا لموسى عليه السلام : أرنا الله جهرةً " ١٥٣ " ( سورة النساء )
فهم لا يفهمون الغيب ولا يقتنعون به، فكان المناسب لهم القصاص ولابد، ولو تركهم الحق سبحانه لكثر فيهم القتل، فهم لا ينتهون إلا بهذا الحكم الرادع : من قتل يقتل، والقتل أنفى للقتل. وقد تعدى بنو إسرائيل في طلبهم رؤية الله، فكونك ترى الإله تناقض في الألوهية ؛ لأنك حين تراه عينك فقد حددته في حيز.
إذن : كونه لا يرى عين الكمال فيه سبحانه وتعالى. وكيف نطمع في رؤيته جل وعلا، ونحن لا نستطيع رؤية حتى بعض مخلوقاته، فالروح التي بين جنبي كل منا ماذا نعرف عن طبيعتها وعن مكانها في الجسم، وبها نتحرك ونزاول أعمالنا، وبها نفكر وبها نعيش، أين هي ؟ !
فإذا ما فارقت الروح الجسم، وأخذ الله سره، تحول إلى جيفة يسارع الناس في مواراتها التراب. هل رأيت هذه الروح ؟ هل سمعتها ؟ هل أدركتها بأي حاسة من حواسك ؟ !
فإذا كانت الروح وهي مخلوقة لله يعجز العقل عن إدراكها، فكيف بمن خلق هذه الروح ؟ فمن عظمته سبحانه أنه لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار.
كذلك هناك أشياء مما يتطلبها الدين كالحق مثلاً، وهو معنى من المعاني التي يدعيها كل الناس، ويطلبون العمل بها، هذا الحق ما شكله ؟ ما لونه ؟ طويل أم قصير ؟ ! فإذا كنا لا نستطيع أن نتصور الحق وهو مخلوق لله سبحانه، فكيف نتصور الله ونطمع في رؤيته ؟ !
ومن إسراف بني إسرائيل في المادية أن جعلوا لله تعالى في التلمود جماعة من النقباء، وجعلوه سبحانه قاعداً على صخرة يدلي رجليه في قصعة من المرمر، ثم أتى حوت.. الخ.. سبحان الله ؛ ألهذا الحد وصلت بهم المادية ؟.
ومن هنا كان الكون في حاجة إلى طاقة روحية، تكون هي أيضاً مسرفة في الروحانية ليحدث نوع من التوازن في الكون، فجاءت شريعة عيسى عليه السلام بعد مادية مفرطة وإسراف في الموسوية، فكيف يكون حكم القصاص فيها، وهي تهدف إلى أن تسمو بروحانيات الناس ؟.
جاءت شريعة عيسى عليه السلام تهدئ الموقف إذا حدث قتل، فيكفي أن قتل واحد، ولنستبقي الآخر ولا نثير ضجة، ونهيج الأحقاد والترة بين الناس، فدعت هذه الشريعة إلى العفو عن القاتل.
ثم جاء الإسلام ووقف موقع العدل والوسطية في هذا الحكم، فأقر القصاص ودعا إلى العفو، فأعطى ولي المقتول حق القصاص، ودعاه في نفس الوقت إلى العفو في قوله تعالى :
فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسانٍ.. " ١٧٨ " ( سورة البقرة ).
ونلاحظ هنا أن القرآن جعلهم إخوة ليرقق القلوب ويزيل الضغائن. وللقصاص في الإسلام حكم عالية، فليس الهدف منه أن يضخم هذه الجريمة، بل يهدف إلى حفظ حياة الناس كما قال تعالى : ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب.. " ١٧٩ " ( سورة البقرة )، فمن أراد أن يحافظ على حياته فلا يهدد حياة الآخرين. وحينما يعطي ربنا تبارك وتعالى حق القصاص لولي المقتول ويمكنه منه تبرد ناره، وتهدأ ثورته، فيفكر في العفو وهو قادر على الانتقام، وهكذا ينزع هذا الحكم الغل من الصدور، ويطفئ نار الثأر بين الناس.
ولذلك نرى في بعض البلاد التي تنتشر فيها عملية الثأر، يأتي القاتل حاملاً كفنه على يده إلى ولي المقتول، ويضع نفسه بين يديه معترفاً بجريمته : ها أنا بين يديك اقتلي وهذا كفني. ما حدث ذلك أبداً إلا وعفا صاحب الحق وولي الدم، وهذا هو العدل الذي جاء به الإسلام، دين الوسطية والاعتدال.
هذا العفو من ولي الدم أداة بناء، ووسيلة محبة، فحين نعطيه حق القصاص، ثم هو يعفو، فقد أصبحت حياة القاتل هبة من ولي الدم، فكأنه استأثره واستبقاه بعفوه عنه، وهذا جميل يحفظه أهل القاتل، ويقولون : هذا حقن دم ابننا.
موقف آخر لعدالة الإسلام ووسطيته نراها في حكم الحيض مثلاً، ففي شريعة موسى عليه السلام يخرج الزوج زوجته من البيت طوال مدة الحيض لا يجمعهما بيت واحد. وفي شريعة عيسى عليه السلام لا مانع من وجودها في البيت، ولا مانع من معاشرتها والاستمتاع بها.
فجاء الإسلام بالعدل في هذه القضية فقال : تبقى المرأة الحائض في بيتها لا تخرج منه، ولكن لا يقربها الزوج طوال مدة الحيض، فقال تعالى :
ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين " ٢٢٢ " ( سورة البقرة ).
وكذلك لو أخذنا الناحية الاقتصادية في حياتنا، والتي هي عصب الحياة، والتي بها يتم استبقاء الحياة بالطعام والشراب والملبس وغيره، وبها يتم استبقاء النوع بالزواج، وكل هذا يحتاج إلى حركة إنتاج، وإلى حركة استهلاك، وبالإنتاج والاستهلاك تستمر الحياة، ولو توقف أحدهما لحدث في المجتمع بطالة وفساد.
وبناء عليه وزع الحق سبحانه وتعالى المواهب بين العباد، فما أعرفه أنا أخدم به الكل، وما يعرفه الكل يخدمني به، وهكذا تستمر حركة الحياة.
والكون الذي تعيش فيه أنت لك فيه مصالح وتراودك فيه آمال، فإن شاركت في حركة الحياة، واكتسبت المال الذي هو عصب الحياة، فعليك أن توازن بين متطلباتك العاجلة وآمالك في المستقبل.
فلو أنفقت جميع ما اكتسبت في نفقاتك الحاضرة، فقد ضيعت على نفسك تحقيق الآمال في المستقبل، فلن تجد ما تبني به بيتاً مثلاً أو تشتري به سيارة، أو ترتقي بمستواك ببعض كماليات الحياة. وهذا ما نسميه الإسراف.
وفي المقابل، كما لا يليق بك الإسراف حتى لا يبقى عندك شيء، وكذلك لا يليق بك التقتير والبخل والإمساك، فتكنز كل ما تكتسب، ولا تنفق إلا ما يمسك الرمق ؛ لأنك في هذه الحالة لن تساهم في عملية الاستهلاك، فتكون سبباً في بطالة المجتمع وفساد حاله.
وقد عالج القرآن هذه القضية علاجاً دقيقاً في قوله تعالى :
ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسوراً " ٢٩ " ( سورة الإسراء )
أي : لا تمسك يدك بخلاً وتقتيراً، فتكون ملوماً من أهلك وأولادك، ومن الدنيا من حولك، فيكرهك الجميع، وكذلك لا تبسط
تفسير الشعراوي
الشعراوي