ولما تقرّرت هذه الجمل التي جمعت بجمعها المأمورات والمنهيات ما تضيق عنه الدفاتر والصدور، وشهد لها المعاندون من بلغاء العرب أنها بلغت من البلاغة مبلغاً يحصل به غاية السرور. ذكر بعض تلك الأقسام وبدأ بما هو مع جمعه أهمّ، وهو الوفاء بالعهد بقوله تعالى : وأوفوا ، أي : أوقعوا الوفاء الذي لا وفاء في الحقيقة غيره. بعهد الله ، أي : الملك الأعلى الذي عاهدكم عليه بأدلة العقل، من التوحيد والبيع والإيمان، وغيرها من أصول الدين وفروعه. إذا عاهدتم ، بتقلبكم له بإذعانكم لامتثاله. ولا تنقضوا الأيمان ، واحترز عن لغو اليمين بقوله تعالى : بعد توكيدها ، أي : تشديدها، فتحنثوا فيها، وفي ذلك دليل على أن المراد بالعهد غير اليمين لأنه أعم منه. وقرأ أبو عمرو بإدغام الدال في التاء بخلاف عنه. و الحال أنكم قد جعلتم الله ، أي : الذي له العظمة كلها، عليكم كفيلاً ، أي : شاهداً ورقيباً. وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم : بإظهار دال " قد " عند الجيم، والباقون بالإدغام. وعن جابر رضي الله عنه قال : نزلت هذه الآية في بيعة النبيّ صلى الله عليه وسلم كان من أسلم، بايع على الإسلام فقال تعالى : وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ، فلا تحملنكم قلة محمد وأصحابه وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام. إنّ الله ، أي : الذي له الإحاطة الكاملة، يعلم ما تفعلون ، من وفاء العهد ونقضه.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني