قوله تعالى : أولئك الذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ .
لقاء الله عبارة عن رؤيته ؛ لأنَّه يقال : لقيتُ فلاناً، أي : رأيته.
فإن قيل : اللُّقيا عبارةٌ عن الوصول ؛ قال الله تعالى : فَالْتَقَى المآء على أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [ القمر : ١٢ ].
وذلك في حقِّ الله محالٌ ؛ فوجب حمله على ثواب الله.
فالجواب : أن لفظ اللقاء، وإن كان في الأصل عبارة عن الوصول١ إلاَّ أنَّ استعماله في الرؤية مجازٌ ظاهرٌ مشهورٌ، ومن قال بأنَّ المراد منه : لقاء ثواب الله، فذلك لا يتمُّ إلا بالإضمار، وحمل اللفظ على المجاز المتعارفِ المشهور أولى من حمله على ما يحتاج إلى الإضمار.
واستدلَّت المعتزلة بقوله تعالى : فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ على أن الإحباط حقٌّ، وقد تقدَّم ذلك في البقرة وقرأ ابن عباس٢ " فَحبَطَتْ " بفتح الباء والعامة بكسرها.
قوله : فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً .
قرأ العامة " نُقِيمُ " بنون العظمة، من " أقَامَ " ومجاهدٌ وعبيد بن عميرٍ :" فَلا يُقِيمُ " بياءِ الغيبة، لتقدُّم قوله :" بآيَاتِ ربِّهِمْ " فالضمير يعود عليه، ومجاهدٌ أيضاً " فلا يقُومُ لَهُمْ " مضارع " قَامَ " متعدٍّ، كذا قال أبو حيَّان، والأحسن من هذا : أن تعرب هذه القراءة على ما قاله أبو البقاء٣ : أن يجعل فاعل " يَقومُ " " صنيعُهمْ " أو " سَعْيهُم " وينتصب حينئذٍ " وزْناً " على أحد وجهين : إمَّا على الحال، وإمَّا على التَّمييز.
فصل في معنى الآية
المعنى : أنَّا نزدري بهم، وليس لهم عندنا وزنٌ ومقدارٌ، تقول العرب : ما لفلانٍ عندي وزنٌ، أي : قدرٌ ؛ لخسَّتهِ، وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إنَّهُ ليَأتِي يَومَ القيامةِ الرَّجلُ العَظيمُ السَّمينُ، فلا يَزنُ عند الله جَناحَ بَعُوضةٍ " قال :" اقرءوا : فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ".
وقيل : المعنى : فلا نقيم لهم يوم القيامة ميزانا ؛ لأن الميزان إنما يوضع ؛ لأجل الحسنات والسيئات من الموحدين ؛ لتمييز مقدار الطاعات، ومقدار السيئات.
قال أبو سعيد الخدري٤ : يأتي ناس بأعمال يوم القيامة من عندهم في التعظيم كجبال تهامة، فإذا وزنوها، لم تزن شيئا، فذلك قوله : فلا نقيم يوم القيامة وزنا .
وقال القاضي٥ : إن من غلبت معاصيه، صارت طاعاته٦ كأن لم تكن، فلم يدخل في الوزن شيء من طاعته، وهذا التفسير بناه على قول الإحباط والتكفير.
قوله : ذلك جزاؤهم جهنم : فيه أوجه كثيرة :
الأول : أن يكون " ذلك " خبر مبتدأ محذوف، أي : الأمر ذلك والمعنى : الذي ذكرتُ من حبوط أعمالهم وخسَّة أقدارهم و " جزاؤهم جهنم " جملة برأسها.
الثاني : أن يكون " ذلك " مبتدأ أول، وجزاؤهم " مبتدأ ثان، و " جهنم " خبره، و هو [ وخبره " ] خبر الأول، والعائد محذوف، أي : جزاؤهم به، كذا قال أبو البقاء٧. ، فالهاء في " به " تعود على " ذلك " و " ذلك " مشار به إلى عدم إقامة الوزن.
قال أبو حيان :" ويحتاج هذا التوجيه إلى نظر " قال شهاب الدين : إن عنى النظر من حيث الصناعة، فمسلَّم، ووجه النظر : أن العائد حذف من غير مسوغ إلا بتكلف ؛ فإن العائد على المبتدأ، إذا كان مجرورا، لا يحذف إلا إذا جر بحرف تبعيض، أو ظرفية، أو يجر عائدا جر قبله بحرف، جر به المحذوف، كقوله :[ الطويل ].
أصخ فالذي تدعى به أنت مفلح. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ٨
أي : مفلح به، وإن عنى من حيث المعنى، فهو معنى جيد.
الثالث : أن يكون " ذلك " مبتدأ، و " جزاؤهم " بدل، أو بيان، و " جهنم " خبره.
الرابع : أن يكون " ذلك " مبتدأ أيضا، و " جزاؤهم " خبره، و " جهنم " بدل، أو بيان، أو خبر ابتداء مضمر.
الخامس : أن يجعل " ذلك " مبتدأ، و " جزاؤهم " بدل، أو بيان، و " جهنم " خبر ابتداء مضمر، و " بما كفروا " خبر الأول، والجملة اعتراض.
السادس : أن يكون " ذلك " مبتدأ، والجار : الخبر، و " جزاؤهم جهنم " جملة معترضة، وفيه بعدٌ.
السابع : أن يكون " ذلك " إشارة إلى جماعة، وهم مذكورون في قوله :" بالأخسرين "، وأشير إلى الجمع ؛ كإشارة الواحد ؛ كأنه قيل : أولئك جزاؤهم جهنم، والإعراب المتقدم يعود على هذا التقدير.
ومعنى الكلام : أن ذلك الجزاء جزاء على مجموع أمرين : كفرهم، واتخاذهم آيات الله ورسله هزوا، فلم يقتصروا على الرد عليهم وتكذيبهم، حتى استهزؤوا بهم.
قوله :" واتخذوا " فيه وجهان :
أحدهما : أنه عطف على " كفروا " فيكون محله الرفع، لعطفه على خبر " إن ".
الثاني : أنه مستأنف، فلا محل له، والباء في قوله :" بما كفروا " لا يجوز تعلقها ب " جزاؤهم " للفصل بين المصدر ومعموله.
٢ ينظر في قراءاتها: الشواذ ٨، والكشاف ٢/٢٤٩، والقرطبي ١١/٤٥، والبحر ٦/١٥٨، والدر المصون ٤/٤٨٥..
٣ ينظر: الإملاء ٢/١٠٩..
٤ ينظر: معالم التنزيل ٣/١٨٦..
٥ ينظر : الفخر الرازي ٢١/١٤٨..
٦ في ب: ما فعله من الطاعات..
٧ ينظر: الإملاء ٢/١٠٩..
٨ ينظر البيت في روح المعاني ١٦/٤٥، حاشية الشهاب ٦/١٣٦، الدر المصون ٤/٤٨٦..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود