والمختار : العموم في كل من عمل عملاً فاسدًا، يظن أنه صحيح من الكفرة، بدليل قوله : أولئك الذين كفروا بآيات ربهم : بدلائل التوحيد، عقلاً ونقلاً، ولقائه : البعث وما يتبعه من أمور الآخرة، فحَبِطَتْ لذلك أعمالُهم المعهودة حبوطًا كليًا، فلا نُقيم لهم أي : لأولئك الموصوفين بحبوط الأعمال، يومَ القيامة وزنًا أي : فنُهينُهم، ولا نجعل لهم مقدارًا واعتبارًا ؛ لأن مدار التكريم : الأعمالُ الصالحة، وقد حبطت بالمرة ؛ قال صلى الله عليه وسلم :" يُؤتى بالرَّجُل السَّمِين العَظِيم يَوْمَ القِيَامَةِ، فلاَ يَزنُ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ " ؛ اقْرَأوا إن شِئْتُمْ : فلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْنًا (١). أو : لا نضع لأجل وزن أعمالهم ميزانًا ؛ لأن الكفر أحبطها. أو : لا نقيم لهم وزنًا نافعًا. قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : يأتي أناسٌ بأعمالهم يوم القيامة، هي عندهم في العِظَم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لا تزن شيئًا، فذلك قوله : فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنًا .
ومنها : من عَبَدَ الله لطلب العوض والجزاء عند الخواصِّ، ومنها : من عبد الله لطلب الكرامات وظهور الآيات، ومنها : من عبد الله بالجوارح الظاهرة، وحجب عن الجوارح الباطنة، وهي عبادة القلوب، فإن الذرة منها تعدل أمثال الجبال من عبادة الجوارح، ومنها : من وقف مع الاشتغال بعلم الرسوم، وغفل عن علم القلوب، وهو بطالة وغفلة عند المحققين، ومنها من قنع بعبادة القلوب، كالتفكر والاعتبار، وغفل عن عبادة الأسرار، كفكرة الشهود والاستبصار، والحاصل : أن كل من وقف دون الشهود والعيان فهو بطّال، وإنْ كان لا يشعر، وإنما ينكشف له هذا الأمر عند الموت وبعده، وسيأتي عند قوله تعالى : وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ [ الزُّمَر : ٤٧ ]، زيادة بيان على هذا إن شاء الله. فقد يكون الشيء عبادة عند قوم وبطالة عند آخرين ؛ حسنات الأبرار سيئات المقربين. ولا يفهم هذا إلا من ترقى عن عبادة الجوارح إلى عبادة القلوب والأسرار. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي