أخرج الحاكم وغيره عن ابن عباس قال : قالت قريش لليهود أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل فقالوا : سلوه عن الروح فسألوه فنزلت : ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا( ٨٥ ) فقالت اليهود أوتينا علما كثيرا أوتينا التوراة ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا فنزلت قل لو كان البحر يعني ماء البحر مدادا يكتب به والمداد اسم لما يمد به الشيء كالحبر للدواة والسليط للسراج، وأصله من الزيادة ومجيء شيء بعد شيء قال مجاهد لو كان البحر مدادا للقلم والقلم يكتب لكلمات ربي أي كلمات علمه وحكمته لنفد البحر أي جنس ماء البحر بأسره لأن كل جسم متناه قبل أن تنفد كلمات ربي فإنها غير متناهية لا تنفد، قرأ حمزة والكسائي تنفد بالياء لتقدم الفعل وإسناده إلى مؤنث غير حقيقي ولو جئنا بمثله أي بمثل البحر الموجود مددا زيادة ومعرفة لأن مجموع المتناهي متناه بل مجموع ما يدخل في الوجود من الأجسام لا يكون إلا متناهيا للدلائل القاطعة على تناهي الأبعاد والمتناهي ينفد قبل غير المتناهي لا محالة، قلت : لو فرضنا البحر أو الأبحر السبعة وما زاد مدادا يكتب بها كلمات علمه تعالى فلا شك أن كل جزء منها يقوم بالقلم لا يمكن أ يكتب به ما معنى على ذلك الجزء من الأحوال الطارئة عليه، وإن كانت ذلك الأحوال متناهية فكيف ما عداها من الممكنات المعلومة لله تعالى، فهيهات هيهات إحاطة المتناهي لغير المتناهي وقال البغوي قال ابن عباس قالت اليهود أتزعم أنا قد أوتينا الحكمة وفي كتابك ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ١، ثم تقول وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ٢ فأنزل الله هذه الآية يعني أن ذلك العلم الذي في الكتب خير كثير في نفسه لكونه متكفلا لصلاح معاشكم ومعادكم لكنه قطرة من بحار كلمات الله والباء للتعدية ومثله مفعول لجئنا ومدادا تمييز نحو على التمرة مثلها زيدا أولى مثله رجلا.
٢ سورة الإسراء، الآية: ٨٥..
التفسير المظهري
المظهري