ﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸ

وقوله تعالى : قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لا يوجب أنَّ ما قبله حكاية ؛ لأنَّه تعالى أراد بل الله أعلم بما لبثوا، فارجعوا إلى خبر الله دون ما يقوله أهل الكتاب، والمعنى أن الأمر في مدَّة لبثهم، كما ذكرنا، فإن نازعوك فيها، فأجبهم فقل : الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ أي : فهو أعلم منكم، وقد أخبر بمدَّة لبثهم.
وقيل : إنَّ أهل الكتاب قالوا : إنَّ المدَّة من لدن دخلوا الكهف إلى يومنا ثلاثمائة وتسع سنين، فردَّ الله عليهم، وقال : قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ يعني بعد قبض أرواحهم إلى يومنا هذا، لا يعلمه إلاَّ الله.
قوله : ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ : قرأ الأخوان بإضافة " مِئةِ " إلى " سنين " والباقون بتنوين١ " مِئةٍ ".
فأمَّا الأولى : فأوقع فيها الجمع موقع المفرد ؛ كقوله : بالأخسرين أَعْمَالاً [ الكهف : ١٠٣ ]. قاله الزمخشريُّ يعني أنه أوقع " أعْمَالاً " موقع " عملاً " وقد أنحى أبو حاتمٍ على هذه القراءة ولا يلتفت إليه، وفي مصحف عبد الله " سنة " بالإفراد، وبها قرأ أبيّ، وقرأ الضحاك " سِنُونَ " بالواو على أنها خبر مبتدأ مضمرٍ، أي : هي سنُونَ.
وأمَّا الباقون، فلما لم يروا إضافة " مِئَة " إلى جمعٍ، نَوَّنُوا، وجعلوا " سِنينَ " بدلاً من " ثَلاثمائةٍ " أو عطف بيان.
قال البغويُّ٢ : فإن قيل لِمَ قال :" ثلاثمائة سنين " ولم يقل سنة ؟ فالجواب، لمَّا نزل قوله تعالى : وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ فقالوا : أيَّاماً، أو شهوراً، أو سنين، فنزلت " سنين ".
وقال الفراء : من العرب من يضع " سنين " موضع سنة.
ونقل أبو البقاء٣ أنها بدل من " مِئَةٍ " لأنها في معنى الجمع. ولا يجوز أن يكون " سِنينَ " في هذه القراءة تمييزاً ؛ لأنَّ ذلك إنما يجيء في ضرورةٍ مع إفرادِ التمييز ؛ كقوله :

٣٥٠٧أ- إذَا عَاشَ الفَتَى مِئَتيْنِ عَاماً فَقدْ ذَهبَ اللَّذاذَةُ والفَتَاءُ٤.

فصل


قيل : المعنى : ولبثوا في كهفهم سنين ثلاثمائة وازدادوا تِسْعاً .
قال الكلبيُّ : قالت نصارى نجران : أما الثلاثمائة، فقد عرفناها، وأما التسع، فلا علم لنا بها، فنزلت : قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ .
روي عن عليٍّ - رضي الله عنه - أنه قال : عند أهل الكتاب : أنَّهم لبثُوا ثَلاثمائَةٍ شَمْسيَّة، والله تعالى ذَكرَ ثَلاثمَائةِ سنةٍ قمريَّة، والتَّفاوتُ بين الشَّمسية والقمريَّة في كلِّ مائةِ سنةٍ ثلاث سنين، فيكونُ ثَلاثمائَةٍ، وتِسْع سنينَ، فَلذلِكَ قال :" وازْدَادُوا تِسْعاً " ٥.
قال ابن الخطيب٦ : وهذا مشكلٌ ؛ لأنه لا يصحُّ بالحساب، فإن قيل : لِمَ لا قيل : ثلاثمائة، وتسع سنين ؟.
وما الفائدة في قوله :" وازْدَادُوا تِسْعاً " ؟.
فالجواب : أن يقال : لعلَّهم لما استكمل لهم ثلاثمائة سنة، قرب أمرهم من الانتباه، ثمَّ اتفق ما أوجب [ بقاءهم في النَّوم ]٧ تسع سنين.
قوله :" تِسْعاً " أي : تسع سنين، حذف المميِّز ؛ لدلالةِ ما تقدَّم عليه ؛ إذ لا يقال : عندي ثلاثمائة درهم وتسعة، إلا وأنت تعني : تسعة دراهم، ولو أردتَّ ثياباً ونحوها، لم يجزْ ؛ لأنه إلغازٌ، و " تِسْعاً " مفعولٌ به، وازداد : افتعل، أبدلت التاء دالاً بعد الزاي، وكان متعدِّياً لاثنين ؛ نحو : وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [ الكهف : ١٣ ]، فلما بني على الافتعال، نقص واحداً.
وقرأ٨ الحسن وأبو عمرو في رواية " تسعاً " بفتح التاء كعشرٍ.
قوله : قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ أنه تعالى أعلم بمقدار هذه المدَّة من الناس الذين اختلفوا فيها ؛ لأنَّه إله السموات والأرض ومدبِّر العالم له غيبُ السَّموات والأرض.
والغَيْبُ : ما يغيب عن إدراكك، والله - تعالى - لا يغيبُ عن إدراكه شيءٌ، ومن كان عالماً بغيب السموات والأرض، يكون عالماً بهذه الواقعة، لا محالة.
قوله : أَبْصِرْ بِهِ : صيغة تعجُّب بمعنى " مَا أبْصرَهُ " على سبيل المجاز، والهاء لله تعالى، وفي مثل هذا ثلاثة مذاهب : الأصح : أنه بلفظ الأمر، ومعناه الخبر، والباء مزيدة في الفاعل ؛ إصلاحاً للفظ أي ما أبصر الله بكلِّ موجودٍ، وأسمعه بكلِّ مسموعٍ.
والثاني : أنَّ الفاعل ضمير المصدر.
والثالث : أنه ضمير المخاطب، أي : أوقع أيُّها المخاطب، وقيل : هو أمر حقيقة لا تعجب، وأن الهاء تعود على الهدى المفهوم من الكلام.
وقرأ٩ عيسى :" أسْمعَ " و " أبْصرَ " فعلاً ماضياً، والفاعل الله تعالى، وكذلك الهاء في " به "، أي : أبصر عباده وأسمعهم.
وتقدَّم الكلام على هذه الكلمة عند قوله : فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار [ البقرة : ١٧٥ ].
قوله : مَا لَهُم أي : ما لأهلِ السموات والأرض.
قوله :" مِنْ دُونهِ " أي : من دون الله.
قوله :" مِنْ وليٍّ " أي من ناصرٍ.
و " مِنْ وليٍّ " يجوز أن يكون فاعلاً، وأن يكون مبتدأ.
قوله :" ولا يُشْرِكُ " قرأ١٠ ابن عامر بالتاء والجزم [ عطفاً على قوله :
وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ [ الكهف : ٢٣ ] وقوله : واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عسى ١١ ] أي : ولا تشركْ أنت أيها الإنسانُ، والباقون بالياء من تحت، ورفع الفعل، أي : ولا يشرك الله في حكمه أحداً، فهو نفيٌ محضٌ.

فصل في المراد بالحكم في الآية


قيل : الحكم ها هنا علم الغيب، أي : لا يشركُ في علم غيبه أحداً.
وقرأ مجاهد وقتادة١٢ :" ولا يُشرِكْ " بالياء من تحت والجزم.
قال يعقوب :" لا أعرف وجهه ". قال شهاب الدين : وجهه أنَّ الفاعل ضميرُ الإنسان، أضمر للعلم به.
والضمير في قوله " مَا لهُمْ " يعود على معاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن عطية :" وتكون الآية اعتراضاً بتهديد " كأنَّه يعني بالاعتراض : أنهم ليسوا ممَّن سيق الكلام لأجلهم، ولا يريد الاعتراض الصِّناعي.

فصل


قوله : مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ .
قيل : ما لأصحاب الكهف من دون الله وليٌّ ؛ فإنَّه هو الذي يتولَّى حفظهم في ذلك النَّوم الطَّويل.
وقيل : ليس لهؤلاءِ القوم المختلفين في مدَّة لبث أصحاب الكهف وليٌّ من دون الله، يتولَّى أمرهم، ويقيم لهم تدبير أنفسهم، فإذا كانوا محتاجين إلى تدبير الله وحفظه، فكيف يعلمون هذه الواقعة من غير إعلامه ؟ !.

فصل


واختلفوا في زمن أصحاب الكهف وفي مكانهم، فقيل١٣ : كانوا قبل موسى - عليه الصلاة والسلام - وأنَّ موسى صلى الله عليه وسلم ذكرهم في التَّوراة، فلهذا سأل اليهودُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصَّتهم.
وقيل : دخلوا الكهف قبل المسيح، وأخبر المسيحُ بخبرهم، ثم بعثوا في الوقت الذي بين عيسى، وبين محمد صلى الله عليه وسلم.
وقيل : إنَّهم دخلوا الكهف بعد الميسح، حكى هذا القول القفَّال عن محمد بن إسحاق، وذكر أنهم لم يموتوا، ولا يموتون إلى يوم القيامة.
وأمَّا مكان الكهف، فحكى القفَّال عن محمد بن موسى الخُوارزميِّ المنجم : أن الواثق أنفذه ؛ ليعرف حال أصحاب الكهف من ملك الرُّوم، قال : فوجَّه ملكُ الرُّوم معي أقواماً إلى الموضع الذي يقال إنهم فيه.
وقيل : إنَّ الرجل قال : إنَّ الرجل الموكَّل بذلك الموضع فزَّعني من الدُّخول عليهم، قال : فدخلت فرأيت الشُّعور على صدورهم.
قال : وعرفت أنَّ ذلك تمويهٌ واحتيالٌ، وأنَّ الناس كانوا قد عالجوا تلك الجثث بالأدوية المجففة ؛ لتصونها عن البلاء ؛ كالتلطيخ بالصَّبر وغيره.
قال القفَّال : والذي عندنا أنَّ موضع أصحاب الكهف لا يعرف، ولا عبرة بقول أهل الرُّوم، وذكر الزمخشري عن معاوية " أنَّه لما غزا الرُّومَ، فمرَّ بالكهف، فقال : لو كشف عن هؤلاء، ننظر إليهم، فقال له ابن عباس : أيُّ شيءٍ لك في ذلك ؟ قد منع الله من هو خيرٌ منك، فقال : لَو اطَّلعتَ عَليْهِمْ، لولَّيتَ مِنهُمْ فِراراً، ولمُلِئْتَ مِنهُمْ رُعْباً .
فقال : لا أنتهي عن ذلك، حتَّى أعلم حالهم، فبعث أناساً، فقال : اذهبوا، فانظروا، فلما دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحاً، [ فأخرجتهم ] " ١٤ " ١٥.

فصل


قال ابن الخطيب١٦ : والعلم بذلك الزَّمان، وذلك المكان، ليس للعقل فيه مجالٌ، وإنما يستفاد ذلك من نصٍّ، وهو مفقودٌ ؛ فثبت أنَّه لا سبيل إليه.
قال ابن الخطيب١٧ : هذه السور الثلاث اشتملت كلُّ واحدة منها على حصول حالةٍ غريبةٍ عجيبةٍ نادرةٍ في هذا العالم : سورة بني إسرائيل اشتملت على الإسراء بالجسد الشريف صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الشَّام، وهي حالة عجيبة، وهذه السورة اشتملت على بقاء القوم في النوم مدَّة ثلاثمائة سنةٍ، وأزيد، وهي أيضاً حالة عجيبة وسورة مريم اشتملت على حدوث الولد لا من الأب، وهي أيضاً حاله غريبة والمعتمد في بيان هذه العجائب، والغرائب المذكورة : أنَّه تعالى قادر على كلِّ الممكنات، عالمٌ بجميع المعلومات من الجزئيات والكليَّات، فإنَّ كلَّ ما كان ممكن الحصول في بعض الأوقات كان ممكن الحصول في سائر الأوقات.
وإذا ثبتت هذه الأصول الثلاثة ثبت القول بإمكان البعث، ولما كان قادراً على الكل وثبت أن بقاء الإنسان حياً في النوم مدة يوم ممكن، فكذلك بقاؤهُ مدة ثلاثمائة سنةٍ، يوجب أن يكون ممكناً، بمعنى : أن إله العالم يحفظه عن الآفةِ.
وأما الفلاسفةُ فإنهم يقولون : لا يبعد وقوع أشكالٍ فلكية غريبة توجب في عالم الكون والفساد حصول أحوالٍ غريبة نادرة، وذكر أبو علي بن سفيان في " باب الزَّمان " من كتاب " الشِّفا " أن أرسطاطاليس الحكيم ذكر أنه عرض لقوم من المباطيل حالةٌ شبيهة بأصحاب الكهف.
قال ابن سينا : ويدلُّ التاريخ على أنهم قبل أصحاب الكهف.
١ ينظر: السبعة ٣٩٠، والتيسير ١٤٣، والحجة ٤١٤ والنشر ٢/٣١٠، والإتحاف ٢/١١٢، والحجة للقراء السبعة ٥/١٣٦، والكشاف ٢/٧١٦، والبحر ٦/١١٢، والدر المصون ٤/٤٤٧..
٢ ينظر: معالم التنزيل ٣/١٥٨..
٣ ينظر: الإملاء ٢/١٠١..
٤ البيت للربيع بن ضبع ينظر: أمالي المرتضى ١/٢٥٤، خزانة الأدب ٧/٣٧٩، ٣٨٠، ٣٨١، ٣٨٥، الدرر ٤/٤١، شرح التصريح ٢/٢٧٣، شرح عمدة الحافظ ص ٥٢٥، الكتاب ١/٢٠٨، ٢/١٦٢، لسان العرب "فتا"، المقاصد النحوية ٤/٤٨١، همع الهوامع ١/١٣٥، أدب الكاتب ص ٢٩٩، أوضح المسالك ٤/٢٥٥، جمهرة اللغة ص ١٠٣٢، شرح الأشموني ٣/٦٢٣، شرح المفصل ٦/٢١، مجالس ثعلب ص ٣٣٣، المقتضب ٢/١٦٩، المنقوص والممدود ص ١٧، والدر المصون ٤/٤٤٧..
٥ ينظر: الفخر الرازي ٢١/٩٥..
٦ ينظر : المصدر السابق..
٧ في ب: ينامهم..
٨ ينظر: الإتحاف ٢/٢١٣، والقرطبي ١/٢٥٢، والبحر ٦/١١٢، والدر المصون ٤/٤٤٧..
٩ ينظر: البحر ٦/١١٣، والدر المصون ٤/٤٤٨...
١٠ ينظر: السبعة ٣٩٠، والتيسير ١٤٣، والحجة ٤١٥، والنشر ٢/٣١٠، والإتحاف ٢/٢١٣، والحجة للقراء السبعة ٥/١٤١، والبحر ٦/١١٣..
١١ زيادة من ب..
١٢ ينظر: البحر المحيط ٦/١١٣، الدر المصون ٤/٤٤٨..
١٣ ينظر: الفخر الرازي ٢١/٩٦..
١٤ في ب: فأحرقتهم..
١٥ تقدم..
١٦ ينظر: الفخر الرازي ٢١/٩٦..
١٧ ينظر: الفخر الرازي ٢١/٩٧..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية