في هذا الربع يواصل كتاب الله الحديث عن " الفتية " الذين اهتدوا وآمنوا واعتزلوا قومهم وما يعبدونه من دون الله، فآووا إلى أحد الكهوف الخالية، فارين بدينهم من الفتنة والأذى، بعد أن وصف كتاب الله في الربع الماضي ما كانوا عليه من إيمان راسخ بالله، واستنكار بالغ لمعتقدات الشرك والوثنية التي كان عليها قومهم هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين، فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا جاءت آيات هذا الربع توضح عناصر جديدة، من هذه القصة الفريدة :
ثم يستدرك عليه قائلا : قل الله أعلم بما لبثوا، له غيب السماوات والأرض، أبصر به وأسمع، ما لهم من دونه من ولي، ولا يشرك في حكمه أحدا . ويؤيد هذا التفسير الذي اختاره ما ذهب إليه قتادة ومطرف بن عبد الله من أن العدد المشار إليه هنا هو قول أهل الكتاب، وأن الله تعالى رد قولهم بقوله : قل الله أعلم بما لبثوا |الآية : ٢٦|.
-العنصر السادس يتعلق بما ألقى الله على أجسادهم من المهابة والجلال، حتى يحول بينهم وبين كل متطفل يحاول أن يمد اليد إليهم، بما لا يتفق مع حكمة الله ومراده، وحتى يبقوا بمنجاة من عبث العابثين، إلى أن يبلغ الكتاب أجله، وتتحقق العبرة من قصة نومهم ويقظتهم، التي لها شبه قوي بموت الموتى وبعثهم، وإلى هذا العنصر السادس يشير قوله تعالى، مخاطبا لكل من يتخيل نفسه واقفا أمامهم في كهفهم، فيحسبهم أيقاظا وهم رقود لو اطلعت عليهم أي لو أشرفت عليهم فنظرت إليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا .
وتخللت قصة أهل الكهف التي هي محور التدبر والاعتبار في هذا الربع جملة من الآيات الكريمة، تؤكد عددا من مبادئ الإسلام القويمة، وتوجيهاته السليمة.
-منها أن من انتفع بالهدي الإلهي كالهدى الذي تضمنه كتاب الله دخل في زمرة المهتدين، ومن أعرض عنه ولم ينتفع به بقي في عداد الضالين، وذلك معنى قوله تعالى : من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ، ويندرج تحت هذه الآية أصحاب الكهف أنفسهم، الذين سبق أن وصفهم كتاب الله قائلا : إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري