٨١٦- الظاهر أنه استثناء منقطع، فإن إبليس ليس من الملائكة، لقوله تعالى : كان من الجن ففسق عن أمر ربه .
الجن خلقوا من نار، والملائكة من نور، ولأن الملائكة معصومون وإبليس غير معصوم.
وقيل : الاستثناء متصل، والجن يصدق على الملائكة أيضا ؛ لأنه من الاجتنان، وهو الشر، ومنه : الجنين، والجنون، والمجن، والجان، والجنة، والجنات.
والملائكة مستترون عن الأبصار، فصدق عليهم أنهم جن فيكون الاستثناء متصلا ؛ ولأن المراد سجد المأمورون إلا إبليس، وهو من جملة المأمورون، فيكون الاستثناء متصلا.
والجواب : عن الأول : أنه لا يلزم من الاشتراك في مورد الاشتقاق صدق ذلك الاسم بعينه، بدليل أن الجن لا يصدق على المجن، ولا على الجنين، ولا على الجنة ونظائره، بل يكون الاشتقاق واحدا والأسماء مختلفة، ولا يصدق اسم واحد منها على الآخر.
وعلى الثاني : أن المذكور في اللفظ إنما هو الملائكة، ومن شروط الاتصال أن يكون الاسم الذي قبل " إلا " يتناول ما بعدها، و " المأمورون " ليس مذكورا بل هو من المعنى، ولو فتح هذا الباب لم يبق منقطع. فإذا قلنا : " قام القوم إلا حمارا "، أمكن أن يقال " قام الحيوانات إلا الحمار " ونقول : " هو المراد، فيصير متصلا، وكذلك جميع صور الانقطاع نتخيل فيها وصفا عاما فلا يبقى منقطع البتة ". ( الاستغناء : ٣٦٧- ٣٦٨ ).
٨١٧- أجاب المانعون١ عن قوله تعالى : إلا إبليس كان من الجن . بوجوه :
أحدهما : أنه كان من الملائكة، والملائكة يصدق عليها أنها جن، فإن أصل المادة الاختلاف، ومنه الجنين، والجنة، والجان والجنون، لأن الجنين مختف٢، والجنة اختفت أرضها بشجرها، والجنة مختفون عن الأبصار، والمجن : الدرقة، وهو يخفي صاحبه عن السهام وأسباب الأذى. والجنون يخفي العقل، والملائكة مختلفون عن الأبصار فيصدق لفظ : الجن.
وثانيها : سلمنا أن اللفظ " الجن " لا يصدق على الملائكة لكن إبليس من طائفة من الملائكة، قد كان فوض إليهم حفظ الجنة التي هي دار كرامة الله تعالى لأوليائه فيسموا جنا لنسبتهم على الجنة لا إلى الجنة، بكسر الجيم.
وثالثا : سلمنا تعذر اللفظين في حق الملائكة، لكن الملائكة استعمل مجازا في المأمورين. وتقدير الكلام : " سجد المأمورون إلا إبليس " ولا خلاف أنه كان في المأمورين بالسجود.
ورابعها : سلمنا أن لفظ الملائكة استعمل في الملائكة، غير أن العرب إذا قالت : بنو تميم، أو بنو هاشم، ندرج فيها مواليها، ومن طالت مجاورته لها من باب التغليب. وإبليس طالت صحبته لملائكة وعبادته لله تعالى معهم، حتى قيل : إنه كان يسمى طاووس الملائكة، فاندرج في لفظ الملائكة فكان الاستثناء متصلا.
وخامسها : تعذر ذلك كله، لكنه مجاز، لأن المتبادر من الاستثناء هو المتصل، فيكون المنقطع مجازا هو المطلوب.
فإن قلت : إنما الأولى جعل اللفظ مجازا في لفظ الملائكة أو في لفظ الاستثناء.
قلت : المجاز في لفظ الملائكة أولى لأنه مجاز في لفظ مفرد، وهو لفظ الاستثناء في لفظ مركب، ومجاز الأفراد راجح من وجهين :
الأول : أنه أكثر كلام العرب، والكثرة دليل الرجحان.
الثاني : أن المفردات متفق على وضعها، فيكون قبولها للمجاز متفق عليه. والمركبات اختلف الناس فيها، فهل وضعتها العرب أم لا ؟ فيكون قبولها للمجاز مختلفا فيه. ( العقد المنظوم : ٢/٢٩١-٢٩٢ ).
٨١٨- قوله تعالى : إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه يحتمل الحال من المستثنى ويحتمل الاستئناف، ومتى كان الحال من الفعل الماضي فلا بد فيها من " قد " مقدرة لتقربه من الحال. ( الاستغناء : ١٤٣ ).
٢ - في الأصل المطبوع: مختلف، ولعله الصواب ما أثبتنا..
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي