ﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘ

الربع الأخير من الحزب الثلاثين في المصحف الكريم
في بداية هذا الربع أعاد كتاب الله الحديث عن تتويج آدم وبنيه بتاج الخلافة عن الله في الأرض، للقيام بعمارتها، وتنظيم شؤونها، طبقا للتوجيهات الإلهية، والنواميس الأخلاقية، وأشار إلى كبر إبليس وعناده، وتمرده على أمر الله وانتقاده، فقال تعالى : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا، إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ، وبذلك كشف كتاب الله النقاب عن طبيعة إبليس، وأنه على خلاف ما يتوهمه المتوهمون لا يدخل في عداد الملائكة المقربين، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون |التحريم : ٦|، وإنما هو من فصيلة " الجن " التي يوجد فيها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، وكون إبليس من الجن لا من الملائكة هو الذي يوضح مغزى المفاضلة، التي عقدها إبليس نفسه بين شخصه وبين آدم أبي البشر، إذ قال فيما حكى عنه كتاب الله في سورة الأعراف وسورة ص : أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين |١٢، ٧٦|.
والمعروف أن الملائكة خلقوا من نور، بينما الجن خلقوا من نار، والإنس خلقوا من طين، وبهذا البيان يتضح لجميع الأذهان أن الآيات الأخرى التي ورد فيها ذكر إبليس مستثنى من الملائكة إنما ورد ذكره فيها على معنى " الاستثناء المنقطع " الذي يعتبر فيه " ما بعد إلا " خارجا عما ورد قبلها لا داخلا فيه، وأنه لا سبيل إلى حمله على " الاستثناء المتصل " لتخالف الأصلين، وتباين الطبيعتين، قال تعالى في سورة الحجر : والجان خلقناه من قبل من نار السموم |الآية : ٢٧|، وقال تعالى في سورة الرحمان : وخلق الجان من مارج من نار |الآية : ١٥|.
ثم لفت كتاب الله أنظار بني آدم إلى العداوة المتأصلة بينهم وبين إبليس وذريته، وأن هذه العداوة الراسخة والدائمة التي يكنها إبليس لآدم وذريته كافية لأن تجعلهم على حذر من موالاته ومتابعته، فكيف يعادون ربهم، ويوالون عدوهم، وذلك قوله تعالى : أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو، بئس للظالمين بدلا . وقد حذر كتاب الله في غير ما سورة وغير ما آية بني الإنسان، من مطاوعة الشيطان، ومواجهة خالقهم ورازقهم بالتمرد والعصيان، لما في ذلك من سوء العاقبة ومنتهى الخسران، فقال تعالى في سورة فاطر : إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا |الآية : ٦|، وقال تعالى في سورة الأنعام : ولا تتبعوا خطوات الشيطان، إنه لكم عدو مبين |الآية : ١٤٢|.

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير